الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يُعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط مَن أعرض عنه إلى غيره.
قال القشيري: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا، أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثرٌ كبيرٌ في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال:
وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ
…
هـ.
ولمَّا ذكر ما منّ به على داود وسليمان، وذكر وبال مَن لم يشكر النعم، ذكر ما منّ به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال:
[سورة سبإ (34) : الآيات 28 الى 30]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30)
قلت: «كافة» : حال من «الناس» ، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر:
إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري.
يقول الحق جل جلاله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي: جميعاً، إنسهم وجِنّهم، عَربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدّم الحال للاهنمام. قال صلى الله عليه وسلم:«أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي بُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وطهوراً، وأُحلّت لي الغنائمُ، ولم تُحل لأحدٍ قبلي، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ، وأعطت الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة مَن لا يشرك بالله شيئاً» «1» .
أو: وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم لأنها إذا عمتهم فقد [كفتهم]«2» أن يخرج منها أحد.
وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة: الإحاطة، والمعنى: أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال
(1) أخرجه البخاري فى (التيمم، باب 1 ح 335) ومسلم فى (فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1/ 370، ح 521) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(2)
فى الأصول [كفهم] والمثبت من تفسير أبى السعود. [.....]
من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلاّمة. حال كونك بَشِيراً بالفضل العظيم لمن أقر، وَنَذِيراً بالعذاب لمن أصرّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي: الكفرة، لا يَعْلَمُونَ ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
وَيَقُولُونَ من فرط جلهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ أي: القيامة، المشار إليها بقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا «1» ، أو: الوعد بالعذاب الذي أنذرتَ به. وأطلق الوعد على الموعود به لأنه من متعلقاته، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إتيانه؟ قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ، «الميعاد» : ظرف الوعد، من مكان، أو زمان. وهو- هنا- الزمان، بدليل مَن قرأ «ميعادٌ يومٌ» ، فأبدل منه «اليوم» . وأما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: بعير سائبة، أي: قد وقت لعذابكم يوماً لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي: لا يمكنكم التأخُّر عنه بالإمهال، ولا التقدُّم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك، وهم منكرون به، تعنُّتاً لا استرشاداً، فجاء الجوابُ على طريق التهديد مطابقاً للسؤال، على وجه الإنكار والتعنُّت، وأنهم مُرْصَدون له، يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخُّراً، ولا تقدُّماً عليه.
الإشارة: الداعون إلى الله على فرقتين: فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتُهم خاصة بمَن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث:
مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف
…
ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلَاف
وقال الشاعر:
عبارتنا شَتَّى وحُسْنُكَ واحِدٌ
…
وكُلٍّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير
ويقول مَن استبعد الفتح: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم عيّنه للفتح، لا يتقدّم ولا يتأخر.
فالأدب: الخدمة وعدم الاستعجال.
(1) الآية 26 من السورة.