الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإشارة: والله الذي أرسل رياح الهداية، فتزعج سحاب الغين عن قلوب أهل الهداية، فسقناه- أي: ريح الهداية- إلى قلب ميت بالغفلة والجهل بالله، فأحيينا بالوارد الناشئ عن ريح الهداية أرضَ النفوس، بالنشاط إلى العبادة، والذكر، والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والقسوة، كذلك النشور. وذلك عزها، كما قال تعالى:
[سورة فاطر (35) : آية 10]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
يقول الحق جل جلاله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ أي: الشرف والمنعة على الدوام، في الدنيا والآخرة، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً فليطلبها من عنده، بالتقوى، والعلم، والعمل الصالح، كالزهد في الدنيا، والتبتُّل إلى الله، أي: فالعزة كلها مختصة بالله، عز الدنيا وعز الآخرة. وكان الكفار يتعززون بالأصنام، كما قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا «1» ، والمنافقون كانوا يتعزّزون بالمشركين، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.. «2» ، فبيَّن أن العزة إنما هي لله بقوله:«فإن العزة لله» فليطلبها مَن أرادها من عنده. فوضع قوله: فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ موضعه، استغناء به عنه لدلالته لأن الشيءَ لا يُطلب إلا من عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: مَنْ أراد النصيحة فهي عند الأبرار، أي:
فليطلبها من عندهم. وفي الحديث: «إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمَن أراد عزّ الدارين فليُطِعِ العزيز» «3» .
ثم ذكر ما يطلب به العز، وهو العمل المقبول، بقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ كلمة التوحية: لا إله إلا الله، وما يلحقها من الأذكار، والدعاء، والقراءة. وعنه صلى الله عليه وسلم:«هو سُبحان الله والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ. إذا قالها العبدُ عَرَجَ بها الملكُ إلى السماء، فحَيّا بها وَجْهَ الرحمن «4» . وكان القياس: الطيبة، ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يُذكّر ويؤنّث. ومعنى الصعود: القبول والرضا، وكل ما اتصف بالقبول وُصف بالرفعة والصعود.
(1) الآية 81 من سورة مريم.
(2)
الآية 139 من سورة النساء.
(3)
ذكره ابن الجوزي فى الموضوعات (1/ 120) عن أنس رضي الله عنه. وقال ابن الجوزي: وهذا من تلصيص سعيد بن هبيرة العامري، قال ابن عدى: كان يحدث الموضوعات.
(4)
أخرجه بنحوه الطبري (22/ 120) والحاكم- وصححه ووافقه الذهبي (2/ 425) - وأخرجه البيهقي فى الأسماء والصفات (2/ 34) والبغوي فى التفسير (6/ 414- 415) من حديث ابن مسعود، موقوفا. [.....]
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ كالعبادة الخالصة يَرْفَعُهُ الله تعالى، أي: يقبله. أو: الكلم الطيب، فالرافع على هذا الكلم الطيب، والمرفوع العمل الصالح، أي: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب لأن العمل متوقف على التوحيد، المأخوذ من الكلم الطيب وفيه إشارة إلى أنَّ العمل يتوقف على الرفع، والكَلِم الطيب يصعد بنفسه، ففيه ترجيح الذكر على سائر العمل. وقيل: بالعكس، أي: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فإذا لم يكن عمل صالح فلا يقبل منه الكلم الطيب. وقيل: والعمل الصالح يرفعُ العامل ويشرفه، أي: مَن أراد العزّة والرفعة فليعمل العمل الصالح فإنه هو الذي يرفع العبد.
ثم ذكر سبب الذل في الدارين، فقال: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ المكرات السَّيِّئاتِ، فالسيئات: صفة لمصدر محذوف لأن «مكر» لا يتعدى بنفسه. والمراد: مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
«1» الآية. لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة، وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي: يفسد ويبطل، دون مكر الله بهم، فالضمير يفيد الاختصاص.
الإشارة: العز على قسمين: عز الظاهر، وعز الباطن، فعز الظاهر هو تعظيم الجاه وبُعد الصيت، واحترام الناس لصاحبه، ولمَن تعلّق به، وسببه: التقوى، والعلم، والعمل، ومكارم الأخلاق كالسخاء، والتواضع، وحسن الخلق، والإحسان إلى عباد الله. وعز الباطن: هو الغنى بالله، وبمعرفته، والتحرُّر من رق الطمع، والتحلّي بحلية الورع. وسببه الذل لله، يُظهر ذلك بين أقرانه، كما قال الشاعر:
تَذَلَّلْ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً
…
فكم عزة قد نالها المَرْءُ بِالذُّلِّ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَمْ تَكُنْ
…
ذَلِيلاً لَهُ فَاقْرَ السلامَ على الوَصْلِ
وغايته: الوصول إلى معرفة الشهود والعيان. فإذا تعزّز القلب بالله لم يلتفت إلى شيء، ولم يفتقر إلى شيء، وكان حرًّا من كل شيء، عبداً لله في كل شيء. وقد يجتمع للعبد العزان معاً، إذا كان عارفاً بالله عاملاً، وقد ينفرد عز الظاهر في أهل الظاهر، وينفرد عز الباطن في بعض أهل الباطن، يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه وهم
(1) من الآية 30 من سورة الأنفال.