الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن مانتلوه عليهم وحْيٌ صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مُصِرُّون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن كانَ أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم. وبالله التوفيق.
الإشارة: وأُزلفت جنة المعارف للمتقين السِّوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحِكَم:
«لا يُخَافُ أن تلتبس الطرقُ عليك، إنما يُخَافُ من غلبة الهوى عليك» وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكُبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا- وهم في غم الحجاب ونار القطيعة يختصمون-: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيهات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليُصدِّقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق.
ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 122]
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلَاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)
إِنْ أَنَا إِلَاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يُذكر ويُؤنث، كقوم، ورهط، وشجر.
يقول الحق جل جلاله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ، وهو نوح بن لامَك. قيل: وُلد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: الْمُرْسَلِينَ، والمراد: نوح فقط لأنَّ مَن كذَّب واحداً من الرسل فقد كذّب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يُراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وما له إلا فرس واحد وبُرد واحد.
إِذْ قالَ لَهُمْ: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم أَخُوهُمْ نُوحٌ نسباً، لا ديناً، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية: بِلِسانِ قَوْمِهِ «1» : أَلا تَتَّقُونَ خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، كان مشهوراً بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يُسمونه إلا محمداً الأمين. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان.
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على ما أنا مُتصدٍ له من الدعاء والنصح، مِنْ أَجْرٍ أصلاً إِنْ أَجْرِيَ فيما أتولاه إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ لا أطمع في غيره، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون.
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ والحالة أنه قد تبعك الْأَرْذَلُونَ أي: الأرذلون جاهاً ومالاً، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل:
كانوا حاكة وأساكفة- جمع إسكاف- وهو الخَفَّافُ- أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ
(1) الآية 4 من سورة إبراهيم.
ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف مَنْ جَمَعَهَا، والأرذل مَنْ حُرمَها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف مَنْ فازَ بِه، وسكن في جوار الله، والأرذل من حُرم ذلك.
قال القشيري: ذكر ما لَقِيَ من قومه، وقوله: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم- في حُكم الله- هم المقدّمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:«نُصِرْتُ بضعفائكم» «1» ، إلخ كلامه.
قالَ وَما عِلْمِي أي: وأيّ شيء علمي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعاً في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي أي:
ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، لَوْ تَشْعُرُونَ بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل.
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعاً في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعاً عنه، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ وما علي إلا أن أُنذركم إنذاراً بيّناً بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره.
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يَزِدْهُم دعائي إِلَاّ فِراراً، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من شرهم، أو من شؤم عملهم.
(1) أخرجه البخاري فى (الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين فى الحرب ح 2896) ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، بلفظ:«هل تنصرون إلا بضعفائكم» ، وأخرجه أحمد فى المسند (5/ 198) ، والترمذي فى (الجهاد، باب الاستفتاح بصعاليك المسلمين، 4/ 179، ح 1702) ، وأبو داود فى (الجهاد، باب فى الانتصار برذل الخيل والضعفة 3/ 73، ح 2594) ، من حديث أبى الدرداء، بلفظ:«ابغوني فى الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» .
قال المنذرى: ومعناه: أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا، وجعلوا همهم واحدا، فأجيب دعاؤهم، وربحت أعمالهم.