الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال القشيري على قوله: وَمَكَرُوا مَكْراً
…
الآية: مَكْرُ اللهِ: جزاؤهم على مَكْرِهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتةً. هـ. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليفة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحدث لا يطلع على سوابق علمه في القِدم، فمَكْره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي- وهو القضاء والقدر- عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سَبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجوا أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أيّ: لا يسْكُن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره.
وقال القشيري- على قوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً..، في الخبر:«لو كان الظلم بيتاً في الجنة لسلط الله عليه الخراب» . هـ. قلت: فكل مَن اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع «1» ، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر قصة لوط- عليه السلام فقال:
[سورة النمل (27) : الآيات 54 الى 58]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)
قلت: (ولوطا) : عطف على (صالحا) داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحاً ولوطاً. و (إذ قال) : ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، و (إذ قال) : بدل من (لوط) .
(1) البلقع: الأرض القفر، التي لا شىء فيها، والخالي من البرية. انظر اللسان (1/ 348، مادة: بلقع) .
يقول الحق جل جلاله: وَلقد أرسلنا لُوطاً، أو: واذكر لوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي: وقت قوله لهم: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي: الفعلة المتناهية في الفُحش والسماجة، وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي: والحالة أنكم تعلمون علماً يقينياً أنها فاحشة، لم تُسبَقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإنَّ تعاطيَ القبيح من العالم بقُبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:«أشدُّ الناس عذاباً يومَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَم يَنفَعهُ الله بعلْمِه» «1» . وقال الفخر:
لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. هـ. وفي الحديث: «لا يَزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» «2» . إذ لو صدّق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. وتُبْصِرُونَ، من: بصر القلب. وقيل: يُبصر بعضُكم بعضاً لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مَجانةً وانهماكاً في المعصية، أو: تُبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم.
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً أي: للشهوة مِنْ دُونِ النِّساءِ أي: أن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة للهِ تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تفعلون فعل الجاهلين بقُبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سُفهاء ماجنون. والتاء فيه- مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ «3» ، غلّب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة:«بل» : للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدّية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل، والثاني راجع للقوة العلمية، وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. هـ.
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أي: لوطاً ومتبعيه مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذراً. وعن ابن عباس: أنه استهزاء، كقوله: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «4» .
(1) رواه الطبراني فى المعجم الصغير (1/ 182- 183) والبيهقي فى الشعب (ح 7778) ، من حديث أبى هريرة- رضي الله عنه. والحديث ضعّفه السيوطي فى الجامع الصغير (ح 1053) .
(2)
جزء من حديث أخرجه البخاري فى (المظالم، باب النّهبى بغير إذن صاحبها، ح 2475) ومسلم فى (الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي 1/ 76 ح 100) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.
(3)
من الآية 47 من سورة النمل.
(4)
الآية 87 من سورة هود.