الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أي: لم يكن أبا رجل منكم حقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، والمراد: من رجالكم البالغين، وأما أولاده القاسم، والطيب، والطاهر، فماتوا قبل أن يكونوا رجالاً، وأما الحسن والحسين، فأحفاد، لا أولاد. وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ، وكل رسول أبو أمته، فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء. وزيد واحد من رجالكم، الذين ليسوا بأولاد حقيقة، فكان حكمُه حكمهم. والتبني من باب الاختصاص والتقريب، لا غير. وَكان أيضا صلى الله عليه وسلم خاتَمَ النَّبِيِّينَ أي: آخرهم الذي ختمهم، أو: ختموا به على قراءة عاصم. بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيء. فلا نبي بعده. وعيسى ممّن نبأ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعته صلى الله عليه وسلم، كأنه بعض أمته. ومَن قرأ بكسر التاء، فمعناه: فاعل الختم، كما قال- عليه الصلاة والسلام:«أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي» «1» . ويصح أن يكون بمعنى الطابع أيضاً إذ فيه لغات خاتِم- بالفتح والكسر-، وخاتام، وخَيْتام. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً، فيعلم مَن يليق بأن يختم به النبوة، وكيف ينبغي شأنه.
الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة إذ الوجود كله ممتد من نوره، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره.
فأول ما ظهر نوره- عليه الصلاة والسلام، ومنه امتدت الكائنات، فهو بذرة الوجود. وسيأتي في قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ «2» تتميم ذلك إن شاء الله. ولم يكن أباً باعتبار تولُّد الصلب، وهو الذي نفاه الله تعالى عنه.
ثم حضّ على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب، فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنى، فقال:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 44]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)
(1) أخرجه مطولا أحمد فى المسند (5/ 278) ، وعزاه السيوطي فى الدر (5/ 386) لابن مردويه، عن ثوبان. وجاء الجزء الأول «أنا خاتم النبيين» في حديث «مثلى ومثل الأنبياء من قبلى..» الحديث، أخرج البخاري فى (المناقب، باب خاتم النبيين، ح 3535) ومسلم فى (الفضائل، باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين 4/ 1791) من حديث سيدنا أبى هريرة رضي الله عنه.
(2)
الآية 81 من سورة الزخرف.
يقول الحق جل جلاله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس:(لم يُعذَر أحد في ترك ذكر اللهِ- عز وجل إلا مَن غلب على عقله)«1» . وقال: الذكر الكثير: ألَاّ تنساه أبداً. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكْثِرُوا ذِكرَ اللهِ حتى يقولوا مجنونٌ» «2» .
والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأمَّا ذكرُ اللسان فإن إدامته كالمتعذَر. قاله القشيري. وَسَبِّحُوهُ أي: نزِّهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، بُكْرَةً أول النهار وَأَصِيلًا آخر النهار. وخُصَّا بالذكر لأن ملائكةُ الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: (قولوا:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) . أو: الفعلان- أي: (اذكروا) و (سبّحوه) - موجهان إلى البُكرة والأصيل، كقولك: صم وصلِّ يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانةً لفضله لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خصّ من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلاً، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين.
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، لمّا كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمَن ينعطف على غيره، حُنواً عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحّم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار.
وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيُصلي ربنا؟ فكَبُر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أُصلي، وإنَّ صلاتي رحمتي، وقد وَسِعَتْ كل شيء «3» . وفي حديث المعراج: «قلت:
إلهي لَمَّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت منادياً يُنادي بلغة، تُشبه لغةَ أبي بكر، فقال: قف، إن ربك
(1) أخرجه الطبري (22/ 17) .
(2)
أخرجه أحمد فى المسند (3/ 68، 71) والحاكم (1/ 499) وصححه، من حديث سيدنا أبى سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)
عزاه فى الدر المنثور (5/ 389) لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابنُ أبي حاتم، عن الحسن.
يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغنيٌّ عن أن يصلِّي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أُصلّي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ
…
الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال. وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقاً على صورته، يُناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك» .
والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صَلّ على المؤمنين. جُعلوا- لكون دعائهم بالرحمة مستجاباً- كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحّم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحّمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يُصَلِّي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده.
وَكانَ الله بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً، قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكتَه المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرَّح بكونه رحيماً بهم. قال أنس: لمّا نزل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ
…
الخ «1» .
تَحِيَّتُهُمْ أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يُقرئك السلام «2» . أو: يوم الخروج من القبور، تُسلِّم عليهم الملائكة وتُبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، سَلامٌ، يقول الله تبارك وتعالى:«السلام عليكم يا عبادي، هَلْ رَضيتُم؟ فَيَقُولونَ: وَما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيت ما لم تُعط أحداً من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أُحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبداً» كما في البخاري «3» . وفي رواية غيره: يقول تعالى:
(1) عزاه السيوطي فى الدر المنثور (5/ 389) لعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد. وذكره البغوي فى التفسير (6/ 360) عن أنس رضي الله عنه.
(2)
عزاه السيوطي فى الدر (5/ 390) للمروزى فى الجنائز، وابن أبى الدنيا، وأبى الشيخ.
(3)
سبق تخريج الحديث.
«السلام عليكم، مرحباً بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري» هو إشارة إلى قوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ «1» .
وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً، يعني الجنة وما فيها.
الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً. الإشارة فيه: أَحِبُّوا الله لقوله- عليه الصلاة والسلام «مَنْ أحبَّ شيئاً أكثَرَ من ذكره» «2» فيُحب أن يقول: الله، ولا ينسَ اللهَ بعد ذكر الله. هـ. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل:
الذكر عمدة لكل سالك
…
تنورت بنوره المسالك
هو المطية التي لا تنتكب
…
ما بعدها في سرعة الخُطا نُجُب
به القلوب تطمئن في اليقين
…
ما بعده على الوصالِ من معين
به بلوغ السالكين للمُنى
…
به بقاء المرء مِن بعد الفنا
به إليك كل صعب يسهل
…
به البعيد عن قريب يحصل
فهو أقوى سبب لديكَ
…
وكلُّهُ إليك، لا عليك
فكل طاعة أتى الفتى بها
…
هو أساسها، كذاك سَقفها
ووحدَه يفوق كل طاعه
…
كما أتى عن صاحب الشفاعهْ
كَفى بفضله لدا البيان
…
ذهابه بالسهو والنسيان
إذا ذكرتَ مَن له الغنى العظيم
…
لديك يصغرُ الفقير يا نديم
عليه دُمْ حتى إذا تجوهرا
…
بسره الفؤاد كلّ ما ترى
ترى به المذكور دون ستر
…
وقد علا الإدراك درك الفكر
به الحبيب في الورى تجلّى
…
به السِّوى عن الحِجا تولى
به تمكن المريد في الفنا
…
حتى يصيرَ قائلاً أنا أنا
به رجوعه إلى العبادة
…
به التصرُّف الذي في العادهْ
تالله لو جئتُ بكل قول
…
ما جئتكم بما لَهُ من فضل. هـ.
(1) من الآية 73 من سورة الزمر.
(2)
عزاه السيوطي فى الجامع الصغير (ح 8312) للديلمى، فى الفردوس، وضعّفه، من حديث السيدة عائشة- رضي الله عنها.