الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعالى، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة، حسبما أدعوكم إليهما. فَصوّر ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به، واستثناه منه قطعاً لشائبة الطمع، وإظهاراً لغاية الشفقة عليهم، حيث جعل ذلك، مع كون نفعه عائداً إليهم، عائدا إليه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: العلماء بالله خلفاء الرسل، فما أظهرهم الله في كل زمان إلا ليذكروا الناس ويعظوهم، ويبشروهم ويُنذروهم، من غير عوض ولا طمع، فإن تعلقت همتهم بشيء من عرض الدنيا من أيدي الناس، كسَف ذلك نورهم، وانتقص نفعهم، وقَلَّ الاهتداء على أيديهم، وقد تقدّم هذا مراراً. وبالله التوفيق.
ثم أمر نبيه بالتوكل، ليغيب عن خيرهم وشرهم، وعن طلب الأجر منهم، فقال:
[سورة الفرقان (25) : الآيات 58 الى 60]
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (60)
يقول الحق جل جلاله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ في الاستكفاء عن شرورهم، والاغتناء عن أجورهم، أي: ثق به فإنه يكفيك عن الطمع فيمن يموت، فلا تطلب على تبليغك من مخلوق أجراً، فإن الله كافيك. قرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. وَسَبِّحْ أي: ونزهه أن يكل إلى غيره مَنْ تَوَكَّلَ عليه، بِحَمْدِهِ أي: بتوفيقه الذي يوجب الحمد، أو: قل سبحان الله وبحمده، أو: نزهه عن صفات النقصان، مثنياً عليه بنعوت الكمال، طالباً لمزيد الإنعام، وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي: كفى الله خبيراً بذنوب عباده، ما ظهر منها وما بطن، يعني: أنه خبير بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: في مدة مقدارها [ستة أيام]«1» إذْ لم يكن ليل ولا نهار. وعن مجاهد: أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، وإنما خلقها في هذه المدة، وهو قادر على خلقها في لحظة، تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به، الرَّحْمنُ أي: هو الرحمن، أو:
فاعل استوى، أي: استوى الرحمن برحمانيته على العرش وما احتوى عليه. وراجع ما تقدم في الأعراف. «2» فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
(1) زيادة ليست فى الأصول.
(2)
راجع: تفسير الآية 54 من سورة الأعراف (2/ 223- 225) .
أي: سل عنه رجلاً عارفاً خبيراً به، يُخبرك برحمانيته. وكانوا ينكرون اسم الرحمن، ويقولون: لا نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون: مسليمة الكذاب، وكان يقال له: رحمن اليمامة، غُلُوًّا فيه، فأمر نبيه أن يسأل من له خبرة وعلم بالكتب المتقدمة عن اسم الرحمن، فإنه مذكور في الكتب المتقدمة.
قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: والظاهر: أن الخبير هو الله، أي: أسأل الله الخبير بالأشياء، الأعلم بخفاياها، والتقدير: فسل بسؤالك إياه خبيراً. وإنما استظهرنا هذا القول لأن المأمور بالسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وَتَجِلُّ رتبته عن سؤال غير ربه. والمراد: فسل الله الخبير بالرحمن ووصفه. انظر تمام كلامه.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي: إذا قال محمد للمشركين: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ صَلّوا له، أو: اخضعوا، قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي: لا نعرف الرحمن فنسجد له، قالوا ذلك: إما لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى، أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى. أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي: للذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك بالسجود له من غير علم منا به. وهو منهم عناد لأن معناه في اللغة: ذو الرحمة التي لا غاية لها لأن فَعْلَانَ يدل على المبالغة، وهم من أهل اللغة. وَزادَهُمْ نُفُوراً أي: زادهم الأمر بالسجود للرحمن تباعداً عن الإيمان ونفوراً عنه. وبالله التوفيق.
الإشارة: قد تقدم الكلام على التوكل في مواضع. وللقشيري هنا كلام، وملخصه باختصار: أن التوكل:
تفويضُ الأمر إلى الله سبحانه، وأصله: عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله، ولا يقدر أحدٌ على إيجاد شيء أو دفعه، فإذا عَرَفَ العبدُ هذا، وعلم أن المراد الله لا يرتفع ولا يدفع، حصل له التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الإيمان، قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «1» ، وما زاد على هذا القَدْرِ من سكون القلب، وطمأنيته، وزوال الانزعاج والاضطراب، فهو من أحوال التوكل ومقاماته.
فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ودرجات، فأول رتبة فيه: أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب الزيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة. وتسمى هذه الحالة: القناعة، فيقنع بالحاصل، ولا يستزيد ما ليس بحاصل- يعني: مع وجود الأسباب- ثم بعد هذا سكون القلب في حال عَدَمِ الأسباب، وهو مقام التجريد، وهم متباينون في الرتبة: واحد يكتفي بوعده لأنه صَدَّقَهَ في ضمانه، فسكن قلبه عند فقد الأسباب ثقةً منه بوعد ربه، وقد قيل: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ، ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نقده.
(1) من الآية 23 من سورة المائدة.