الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم قال تعالى:
[سورة القصص (28) : الآيات 79 الى 82]
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَاّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82)
قلت: (في زينته) : حال، (ويْكَأنه) : مذهب الخليل وسيبويه: أن «وي» : حرف تنبيه منفصلة عن كَأَنَ، لكن أضيفت لكثرة الاستعمال. وقال أبو حاتم وجماعة:«ويك» هي «ويلك» حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال. وقالت فرقة: «ويكأن» بجملتها: كلمة. قاله الثعلبي، وقال البيضاوي: ويكأن، عند البصريين، مركب من:«وي» للتعجب، و «كأن» ، للتشبيه. هـ. وقال سيبويه:«وي» : كلمة تنبيه على الخطأ وتَنَدُّمٍ، يستعملها النادم لإظهار ندامته.
يقول الحق جل جلاله: فَخَرَجَ قارونُ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، قال جابر: كانت زينته القرمز، وهو صبغ أحمر معروف. قيل: إنه خرج في الحمرة والصفرة، وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء، عليها الأرْجُوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه، وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحليّ والديباج.
قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا، على سبيل الرغبة في اليسار، كعادة البشر، وقيل: كانوا كفاراً، ويرده قوله: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا.. إلخ. يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ من المال والجاه، قالوه غِبْطَةً. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه، من غير أن تزول عنه، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له، دونه. وهو كقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «1» ، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضر الغبطة؟ فقال: «لا..» الحديث «2» . إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الدنيا، والحظ: الجَدُّ، وهو البخت والدولة.
(1) من الآية 32 من سورة النساء.
(2)
لفظ الحديث: سأل صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ قال: «لا، إلا كما يضر العضاة الخبط، قال ابن حجر فى الكافي: ذكره ثابت السرقسطي فى الغريب، هكذا بغير إسناد. انظر الكافي الشاف على هامش الكشاف (3/ 432) .
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالثواب والعقاب وفناء الدنيا، أو: أوتوا العلم بالله، فيؤخذ منه: أن متمني الدنيا جاهل ولو كان أعلم الناس إذ لا يتمناها إلا المحب لها، وهي رأس الفتنة. فأيّ علم يبقى مع فتنة الدنيا؟! قالوا في وعظهم لغابطي قارون: وَيْلَكُمْ هلاكاً لكم، فأصل ويلك: الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع على ترك ما لا يرضى. وقال في التبيان في إعراب القرآن: هو مفعول بفعل محذوف، أي: ألزمتكم الله ويلكم، ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة، خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً مما أوتي قارون، بل من الدنيا وما فيها، وَلا يُلَقَّاها أي: لا يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء، وهي ثواب الله خير، إِلَّا الصَّابِرُونَ. أو: لا يلقى هذه القوة والعزيمة في الدين إلا الصابرون على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا.
وفي حديث الترمذي: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك اللباس- أي: الفاخر- تواضعاً لله تعالى، وهو يَقْدِرُ عليه، دعاهُ الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّره من أي حُلل الإيمانِ شاء يَلْبَسُهَا» «1» . وفيه أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سوى هذِهِ الخِصَال بيتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَه، وجلَف الخُبْزِ وَالْمَاءِ» «2» . أي: ليس معه إدام.
قال تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ، كان قارون يؤذى موسى عليه السلام كل وقت، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة، فصالحه: على كل ألف دينار دينارٌ، وعلى كل ألف درهم درهمٌ، فحاسبه فاستكثره، فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل، وقال له: قد أطعتم موسى في كل شيء، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فَمُرنا بما شئت، قال: نجعل لفلانة البغي جُعْلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار، أو: طستاً من ذهب، فلما كان يوم عيد قام موسى خطيباً، فقال: من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه، فقال قارون: وإن كنتَ أنتَ؟ قال: وإن كنتُ أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها بالذي خلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جُعلا على أن أقذفك بنفسي، فخرَّ موسى ساجداً يبكي، وقال: اللهم إن كنتُ رسولَك فاغضبْ لي، فأوحى الله تعالى إليه: مُر الأرض بما شئت فيه، فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل: إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم
(1) أخرجه الترمذي فى (صفة القيامة، باب 39، 4/ 561 ح 2481) ، والحاكم فى المستدرك (1/ 61) وصححه، ووافقه الذهبي، من حديث معاذ بن أنس. [.....]
(2)
أخرجه أحمد فى المسند (1/ 62) ، والترمذي وصححه فى (الزهد، باب 30، 4/ 494، ح 2341) من حديث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: «وجلف الخبز» أي: ليس معه إدام. انظر: النهاية فى غريب الحديث (1/ 87) .
مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً غير رَجُلَيْن. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارونُ وأصحابه يتضرعون إلى موسى، ويناشدونه بالله وبالرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم. فقال الله تعالى: يا موسى استغاث بك مراراً فلم ترحمه، فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته «1» .
رُوي أنه يخسف كل يوم قامة، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فقال بعض بني إسرائيل: إنما أهلكه ليرث داره وكنوزه، فدعى الله تعالى فخسف بداره وكنوزه، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إني لا أُعَبِّدُ الأرض أحداً بعدك أبداً، أي: لا آمرها تطيع أحداً بعدك.
فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يمنعونه من عذاب الله، وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ من عذاب الله، أو: من المنتقمين من موسى.
وَأَصْبَحَ أي: وصار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ أي: منزلته من الدنيا بِالْأَمْسِ: متعلق بتمنوا. ولم يُرد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت القريب، استعارة. يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي: أعجب مما صنع بقارون، لأن الله يبسط الرزقَ لمن يشاء، وهو عنده ممقوت، وَيَقْدِرُ أي:
يُضيقه على من يشاء، وهو عنده محبوب. لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بصرف ما كنا نتمناه بالأمس، لَخَسَفَ بِنا معه، كما فعل بالرجلين، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين. قال الرضي: كأن المخاطب كان يدعي أنهم يفلحون، فقال له: عجباً منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: إنه لا يفلح الكافرون، فحذف حرف الجار. وقال ابن عزيز: ويكأن الله معناه: ألم تر أن الله. واقتصر عليه البخاري «2» . والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية ترهيب من التعمق في زينة الدنيا، والتكاثر بها. ومن تمنى ما لأربابها من غرور زخرفها، وترغيب في الزهد فيها، وإيثار الفقر على الغنى، والتبذل والتخشن على ملاذ ملابسها ومطاعمها. قال الشيخ العارف سيدي عبد الرحمن بن يوسف اللجائي في كتابه: اعلم أن الدنيا إذا عظمت وجلّت في قلب عبد، فإن ذلك العبد يعظم قدر من أقبلت عليه الدنيا، ويتمنى أن ينال منها ما نال، فإن كل إنسان يعظم ما اشتهت نفسه.
(1) ذكره البغوي فى تفسيره (6/ 224) وانظر تفسير ابن كثير (3/ 401) .
قلت: وهذه الرواية تجعل سبب الخسف بقارون هو غضب سيدنا موسى لنفسه، لكن القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة تبرهن على أن سبب الخسف به هو التكبر على الله تعالى، والتكبر على الناس.
(2)
انظر فتح الباري (كتاب التفسير، سورة القصص، باب. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ 8/ 369) .