الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكم التخيير في الطلاق: أنه إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترتُ نفسي، أن تقع تطليقة واحدة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء. قاله النسفي. وقال ابن جزي: وإذا اختارت المرأة الطلاق فمذهب مالك: أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة. وقيل: رجعية. ووصف السراح بالجميل يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو: يريد الثلاث، وجماله: حسن المرعى، والثناء، وحفظ العهد. هـ.
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ، «من» : للببان، أَجْراً عَظِيماً، فاخترن- رضى الله عنهن- ما هو مناسب لحاله- عليه الصلاة والسلام، حين خُيّر بَيْن أن يكون نبيّاً عبداً، أو نبيًّا مَلِكاً، فاختار أن يكون نبيًّا عبداً، لا مَلِكاً. فاخترن العبودية، التي اختارها- عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: ينبغي لمَن قلّده الله نساء متعددة أن يخيِّرهن، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يخلو من حال الغيرة، فإذا خَيّرهن فينبغي أن يغيب عن تشغيبهن، ولم يصغ بأُذُنه إلى حديثهن، ولا ينبغي أن يغتم من أجل الغيرة، فإنها طبع لازم للبشر، وليُقدِّر في نفسه: أنه إذا تزوجت زوجته غيره، وهي في عصمته، هل يقْدِر على ذلك أم لا، فالأمر واحد. والله أعلم.
قال القشيري: لم يُرِد أن يكون قلبُ واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل، أو يعود إلى واحد منهم أذى، أو تعب من الدنيا، فخيّر صلى الله عليه وسلم بأمر ربه نساءَه، ووفق اللهُ عائشةَ، حتى أخبرتُ عن صدق قلبها، وكمال دينها ويقينها، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرَيْن على منهاجها، ونَسَجْنَ على منوالها. هـ.
ثم هددهن وبشّرهن، فقال:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 الى 31]
يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31)
يقول الحق جل جلاله: يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ بسيئة بليغة في القُبح مُبَيِّنَةٍ ظاهرٌ فحشها، مِنْ: بيَّن، بمعنى: تبيّن. وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء، وهي عصيانهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشوزهن.
قال في المقدمات: كل فاحشة نُعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق، والتي لم تُنعت بها زنى. هـ. يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ أي: ضِعفي عذاب غيرهنّ من النساء لأن الذنب منهن أقبح فإنَّ قُبح الذنب يتبع زيادة فضل
المذنب والنعمة عليه، ولذلك قيل: ليست المعصية في القُرب كالمعصية في البُعد. وليس لأحد من النساء مثل فضل النساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشدّ منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالِم أقبح، وفي الحديث:«أشَدُّ النَّاس عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَم ينْفَعْهُ الله بعلْمِه» «1» لقوة الجرأة في العالم دون غيره. ولهذا أيضاً فضل حدّ الأحرار على العبيد، ولم يرجح الكافر. وَكانَ ذلِكَ أي: تضعيف العذاب عليهن عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هيناً.
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ أي: يدم على الطاعة لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي: مثل ثوابي غيرها، مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي صلى الله عليه وسلم، بالقناعة، وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي بالغيب «2» على لفظ «من» ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً جليل القدر، وهو الجنة.
الإشارة: من شأن الملِك أن يُعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم، ويهددهم بما لا يهدد به غيرهم، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يُعطي غيرهم، فإن هفوا وزلُّوا عاتبهم، ثم يردهم إلى مقامهم، وربما سمح وأغضى.
والغالب: أن الحق تعالى يعجل عتلت خواصه، في الدنيا قبل الآخرة، بمصائب وأهوال، تصفيةً وتطهيراً، ولا يُبعدهم من حضرته بما اقترفوا. قال القشيري: زيادةُ العقوبة على الجُرْمِ من أمارات الفضيلة، كحدّ الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص، ولَمَّا كانت منزلتُهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء، تضاعفت عقوبتهن على أجْرامهن، وتضاعف ثوابَهن على طاعتِهن، فقال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
…
وقال: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ
…
الآية هـ. والله تعالى أعلم.
ثم وصّاهن بما يليق بجنابهن المعظم، فقال:
يا نِساءَ النَّبِيِّ
…
(1) رواه الطبراني فى الصغير (1/ 182) والبيهقي فى الشعب (ح 1778) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، وقال الهيثمي فى المجمع (1/ 185) (: رواه الطبراني فى الصغير، وفيه عثمان البرسي، ضعّفه أحمد، والنسائي، والدارقطني.
(2)
قرأ حمزة والكسائي «يعمل» و «يؤتها» بالياء، وقرأ الباقون «تعمل» و «نوتها» . انظر الحجة للفارسى (5/ 474) .