الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خلافة الحاكم بأمر الله ابن العزيز بالله وأخباره
وما لخّص منها
هو أبو على منصور الحاكم بأمر الله ابن نزار العزيز بالله بن معدّ المعزّ، وباقى نسبه قد تقدّم.
أمّه:. . . . . . . . .
ولد فى شهر ربيع الأوّل من سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، أوّل ساعة من يوم الخميس لسبع بقين من الشهر المذكور، بالقاهرة المعزية. بويع له يوم وفاة أبيه، آخر شهر رمضان من هذه السنة.
وقيل كانت بيعته يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رمضان المذكور.
وله يوم ذاك أحد عشر سنة.
وكان أمره راجع إلى الأستاذ أبى الفرج برجوان، وقيل إنه <إلى> ابن عمّار، وكان كبيرا فى المغاربة. وكان العزيز قد أوصى إليه بولده. فقام بالأمر (ص 161) ودبّر الأحوال، وساس أمور الجند من المصطنعين والمغاربة، وأنفق الأموال، وأرضى جميع الطائفتين
بعد أن كادت تكون فتنة بين الجند المصطنعين وبين المغاربة. فلما همّوا أن يتواقعوا أخرج الأستاذ برجوان الأموال وأرضى الجميع، وأصلح ذات البين، ورفع المغاربة وجعلهم فى ولايات الجند من الترك والعجم وغيرهم، وساس أيضا أمور الترك والعجم، ودبّر أحسن تدبير.
ولم يزل الحاكم من صغره يشتغل بالآداب والدروس، والنظر فى دقائق العلوم: مثل علم النجوم والأرصاد والكيمياء والعزائم والطلسمات وسائر علوم الرياضيّات، حتى حصل له ما شاع وذاع.
هذا فى ابتداء أمره، وأمّا فى نهايته وتمام أيامه فصدرت عنه أمور تلى إلى الجنون، لا بل هى الجنون بعينه، من خرافات دينيّة ودنياوية.
فأمّا الدنياوية السيّئة التى صدرت عنه فتلخيص ذلك أنّه منع من بيع الزبيب، وأن لا يتّجر أحدا فيه. وجمع كلّ زبيب كان فى سائر ممالكه وأعماله وأمر بإحراقه فأحرق.
قال المؤرّخون من الثقات المصريّين: حسب جملة ما أنفق على إحراق الزبيب فى ثمن الأحطاب التى أحرق بها فكانت ألف دينار عينا، ولم يبق للزبيب أثر فى سائر الأقاليم.
ومنها أنه أمر بقتل الكلاب، فلم يبق فى مدّة أيّامه كلب يرى. وقيل أحصى عدّتهم فكانوا ثلاثون ألف كلب الذين قتلوا.
(كذا)
ومنها أنه مرّ على حمام الذهب بمصر فسمع بها غوغاء النساء، فأمر ببابها فبنى عليهم فسدّ، وأمر أن يحمى عليهنّ، فلم يبرحوا حتى موّتن عن آخرهن من غير جرم فعلونه، وعاد كل من له أهل بتلك الحمام أتى وأخرجهن وغسلوهنّ، ودفنّ.
(ص 162) ومنها أنّه حرّم بيع العنب فى سائر أعماله. وأمر بقطعه، وهو حصرم. ثم إنّه أمر بقطع سائر الكروم. فقطع ذلك من جميع أعمال مصر.
ومنها أنه نهى عن طبخ الملوخيّة، ومن وجدت عنده قتل.
وأمر أن لا تزرع بأرض مصر البتّة. وقتل على ذلك جماعة ممن وجدت عندهم.
ومنها أنّه منع من بيع الكبب اللحم، ومن بيع الفقّاع. وأمر بشنق من يبيعه، وربما أنه شنق عليه.
ومنها أنه كان يحب مملوكا له يقال له عين. وهو صاحب جامع الجزيرة. فغضب عليه فأمر بقطع يده، فقطعت ثم ندم. ثم أمر بقطع رجله، فقطعت ثم ندم. ثم أمر بقطع اليد الأخرى ثم الرجل الأخرى، ثم سمل عينيه.
وأشياء كثيرة من هذا النسق وضروبه.
وأمّا الأمر الدينى فإنّه تمرّد وبغى، وادّعى دعوى فرعون لعنه الله. وسبب ذلك أنه صحبه إنسان يقال له الدرزى. فنبّهه على أشياء من دعاوى أسلافه الكاذبة، حتى عاد يسلّم عليه الخصّيصين به فيقولون: السلام عليك يا معطى يا مانع، يا محيى يا مميت!
فلما شهر عنه هذا الأمر وقام الناس على ذلك الملعون الدرزى، جهّزه بالأموال إلى الجبال لإقامة الدعوة الخبيثة. فجميع الدرزيّة الآن من ذلك الدرزى الملعون داعى الحاكم.
وله أشياء منكرة أعظم من جميع ذلك، أضربت عنها صيانة للكتاب، فنعوذ بالله من مكر الله.
وأما ما يذكر من محاسن سيرته فى ابتداء أمره فإنه أقام شعائر الإسلام، ورفع منار الدين، وأمر أن يبنى على كلّ كنيسة من الكنائس مسجدا طويل البناء يعلو تلك الكنيسة. وكذلك سائر الديرة فى سائر أعمال مصر، ففعل وهو إلى الآن باق.
ومنها أنّه منع اليهود والنصارى (ص 163) من ركوب الخيل والبغال فاستمرّ ذلك.
ومنها أنه أفرد للذمّة من اليهود والنصارى حمامات غير حمامات المسلمين، وجعل على أبواب حماماتهم الصلبان والقرابين، وجعل فى أعناقهم الأجراس والصلبان من الخشب الكبار.
ومنها أنّه رفع المكوس والظلامات.
ومنها <أنّه> منع كلّ مسكر وشدد فيه وغلّظ وقتل عليه.
ومنها أنه منع النساء من الخروج، فلم تكن فى أيّامه امرأة تلوح.
وكان متزهّدا متعبّدا، يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويدور الشوارع بنفسه.
ومن بنائه. . . . وجامع راشدة، والرصد، والجامع الكبير المعروف به.
وكان سبب غيبته ما يأتى ذكره فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
وفى هذه السنة توفى الصاحب بن عبّاد رحمه الله، وكذلك توفى أبو طالب مكى صاحب كتاب «اعتلال القلوب» رحمه الله.