الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة تسع وخمسين وثلاث مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر أصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى عشر أصبعا.
ما لخّص من الحوادث:
الخليفة ببغداد والعراق مع الشرق كلّه إلى حدود الشام المطيع لله أمير المؤمنين.
ومصر يومئذ فى ولاية المعز لدين الله مع سائر المغرب خلا الأندلس، وقد اتصل أمره إلى أطراف الشام.
(ص 85) وجوهر القائد الأمير يومئذ بمصر من قبل المعزّ المذكور.
والوزير بها أبو الفضل جعفر بن حنزابة على ما كان عليه فى أيام الإخشيدية.
والقاضى بمصر يومئذ أبو طاهر.
وفيها فى الثامن من شهر جمادى الأولى يوم الجمعة حضر القاضى النعمان المغربى والقائد جوهر إلى جامع ابن طولون وأمّر أن يؤذّن بحىّ على خير العمل. وهو أوّل يوم أذّن بذلك فى مصر.
وفيها كان النواح على الحسين ببغداد على الرسم والعادة على ما تقدّم من شرحه فى الجزء الذى قبله.
وفيها وجّه القائد جوهر الإخشيديّة إلى المغرب.
ولما انكسر الحسن بن عبيد الله بن طغج وأسر انتقل جعفر بن فلاح من الرملة إلى طبرية. وابتدأ يبنى قصرا عند جسر الصيرة.
وكان بها يومئذ فاتكا غلام ملهم، واليا عليها من قبل كافور الإخشيدى رحمه الله. وقد كان ابن فلاح راسله وخدعه حتى قعد عن نصرة الحسن بن عبيد الله-وكانت بنو عقيل على حوران والبثنيّة من قبل الإخشيدية حين ولى كافور مروان وظالما وملهما تلك الديار.
فلما تمكن جعفر بن فلاح من طبريّة ومن الملاهمة أراد أن يقلع الجميع من تلك الديار. فاستجلب إليه مرّة وفزارة من العرب وقرر معهم قتل فاتكا غلام ملهم والى طبرية. فرتبوا له رجالة من المغاربة فظفروا به غفلة. فلما رآهم قد أحاطوا به يأس من الحياة. فجرّد سيفه وقال:
غدرتم ونقضتم الأيمان. وضرب رجلا منهم على وجهه فعبر السيف فيه فرمى نصف رأسه، وأدركه بقية القوم فقتلوه.
ثم إنّ جعفر بن فلاح أظهر عدم الرضى بقتله، وأنّ ذلك كان بغير إرادته، وقبض على الذين (ص 86) قتلوه فأوثقهم، وبعث بهم إلى ابن ملهم. وقال له: هؤلآء الذين قتلوا غلامك. فقال: هو غلامى وقد وهبته. وأطلق الذين قتلوه. وقد علم أنه هو الذى أمر بقتله ولو قتلهم قتله بهم.
وكان مما اتفق لدمشق من الأمر المذموم أنّ مشايخ من أهلها ساروا إلى طبرية يتلقّون جعفر بن فلاح، فيهم عقيل بن الحسن بن الحسين العلوى، وابن أبى يعلى العبّاسى. فأدركوا يوم دخولهم طبريّة قتل فاتك، والفتنة ثائرة والمغاربة قد ركبوا يأخذون الناس. فوجدوا القوم المشايخ الذين قدموا من دمشق. فأخذوهم وجرّدوهم عن ثيابهم وتواعدوهم وضربوهم. وقالوا: أو ذا نحن سائرين إليكم. فرجعوا إلى دمشق فى أسوأ الأحوال وأخبروا بما جرى عليهم من قوم جفاة قباح المناظر والزىّ والكلام، ليس لهم عقول يرجعون إليها.
فلما سمع الناس ذلك ارتاعوا منه وتوحّشت قلوبهم. وكان شمول قد سار من دمشق فلقى جعفر بن فلاح بطبرية قبل ذلك، وخلا البلد من سلطان. فطمع الطامع وكثر الدعّار وحمّال السلاح.
ولما قتل جعفر بن فلاح فاتكا عمل على قلع بنى عقيل من حوران والبثنيّة. فأنفد إليهم مرة وفزارة ليقلعهم من الدار، وبعث
خلفهم عسكر من المغاربة. فلما التقى القوم كانت عقيل أقوى من مرّة وفزارة. فأنجدتهم المغاربة، فانهزم العقيليّون، فتبعوهم إلى أرض حمص، ثم رجعوا عنهم. فمالوا على جبل سنير فنهبوا وهتكوا الحريم، ونزلوا إلى الغوطة فجالوا فيها. فخرج إليهم أهلها فمنعوهم النهب. فساروا حتى نزلوا على نهر يزيد نحو الدكّة ومعهم ما نهبوه من جبل سنير. فثار عليهم أهل البلد فقاتلوهم وقتلوا منهم كبيرا (ص 87) من العرب يقال له عيسى بن هواش الفزارى. وأهزموهم عن دمشق.
فلما كان لثمان خلون من ذى الحجّة من هذه السنة أقبلت طلائع ابن فلاح. فخرجت الناس إليهم مستعدّين للحرب فى خيل ورجل.
فاقتتلوا يومهم ذلك بأجمعه، ثم انصرفوا، ثم كانت بينهم حروب شديدة تشيّب الأطفال. وأهل دمشق صابرين على ما نزل بهم من البلاء، وأصبح القتال إلى يوم عيد الأضحى، ولم يعيّد أحدا ولا صلّوا صلاة العيد. والحرب قائمة على ساق وقدم. فانهزموا أهل دمشق وتبعتهم المغاربة قتلا وأسرا، وجرت أمور يطول شرحها. وآخر الأمر أن اتفق بينهم المراسلة، وأن فلاح لا يعفو عنهم أو تخرج النساء
مكشوفين الوجوه منشورين الشعور ففعلوا. وهو مع ذلك لا يرتد إلى توعد وترهيب.
ثم قرّر على البلد جباية أموال عظيمة. كانت سبب فقر البلد إلى آخر وقت.
ثم قال: نعبر يوم الجمعة نصلّى بالجامع. فدخل يوم فى عسكره، وسار حتى صار فى سوق الدوابّ، فوقف فى جماعة من أصحابه.
ودخل عسكره البلد. فلما خرجوا من الجامع وضعوا ينهبون، حتى استوسقوا، ثم عطفوا يريدون الأزقّة والدور. فثار الناس عليهم فقتلوا جماعة من الرجالة.
ثم إنّ مشايخ البلد خرجوا بعد ذلك لابن فلاح. فرهّب عليهم وتوعّدهم بحرق البلد ووضع السيف. وقال لهم: دخل رجال أمير المؤمنين إلى الصلاة فقتلتموهم. فلطفوا به وداروه. فأومأ إلى مال يأخذه وقال: دية رجال أمير المؤمنين. فأجابوه. وكان فى الجماعة أبو القاسم أحمد ابن الحسين العقيقى العلوى، وابن هشام وكان يتولّى الكلام فى ذلك. (ص 88) ثم قسط المال فعمّ الناس البلاء فيه.
ثم إنّه نزل الدكّة فوق نهر يزيد، فأكثر فيها البنيان، وبنى أصحابه من حوله مساكن، وصار فيها أسواق.
ثم إنه بنى بها قصرا عجيبا بالحجارة العظيمة، ولم يزل حتى هدمه ابن أبى المنجّا لما ملكت القرامطة حسبما يأتى من خبرهم فى سنة ستين وثلاث مئة. ولما استقرّ بابن فلاح النزول طلب حمّال السلاح، فظفر بقوم منهم فشدّهم فى الأدهم أياما، ثم ضرب أعناقهم وكانوا اثنى عشر إنسانا.