الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر أخبار أبى سعيد الجنّابى الداعى
كان رجلا من أهل قرية جنّابا يعمل الفراء يقال له أبو سعيد الحسن ابن بهرام. أصله من الفرس. فسافر إلى سواد الكوفة، فتزّوج بقرية يقال لها القربى من سواد الكوفة إلى قوم يقال لهم بنو القصّار. وكانوا أصولا فى هذه الدعوة الخبيثة.
وأكثر الحكايات عن أبى سعيد هذا أنه أخذ الدعوة عن عبدان نفسه.
قال الشريف: قال أبو عبد الله محمد الكوفى لى إن أبا سعيد الجنّابى أخذ الدعوة عن قرمط نفسه.
ثم إنه نزل القطيف، وهو حينئذ مدينة عظيمة، فجلس هناك يبيع الدقيق، ولزم الوفاء والصدق. وكان أوّل من أجابه إلى دعوته الحسين بن سنتر وعلى بن سنتر وحمدان بن سنتر، وقوم ضعفاء ما بين قصّاب وجمّال وأمثال هؤلاء. ثم قويت يده، واستجاب له الناس، ووجد بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا الضمامى كان عبدان الداعى أنفذه (ص 39) قبل أبى سعيد إلى القطيف وما والاه. فلما تبيّن أمره أبو سعيد الجنّابى عظم عليه أن يكون فى البلد داع غيره. فقبض عليه وحبسه فى بيت حتى مات هزلا.
وقد ذكر أنّ هذا الداعى كان أخذ على بنى سنتر قبل أبى سعيد. فعاد
فى أنفسهم حقد على أبى سعيد لقتل أبى زكريا الضمامى. واتفق لأبى سعيد أنّ البلد الذى قصده بلد واسع كثير الناس. ولهم عوائد بالحروب، وهم رجال شداد جهّال غفل القلوب، بعيدون من شريعة الإسلام ومعرفة نبوّة أو حلال أو حرام. فظفر بدعوته فى تلك الديار، ولم يناوئه مناوئ.
فتمّ أمره، وقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدّت شوكته جدا.
وكان لا يظفر بقرية إلاّ قتل أهلها ونهبها. فهابه الناس، وأجابه كثير منهم طلبا للسّلم، ورحل من البلد خلق كثير إلى نواحى مختلفة، ولم تمتنع عليه إلاّ هجر، وهى مدينة البحرين، ومحلّ سلطانها. فقاتل أهلها ونازلها شهورا. فلما طال عليه أمرها ابتنى بالأحساء دارا، وبينها وبين هجر ميلان، واتخذها منزلا. وأجابه كثير من العرب كبنى الأضبط ابن كلاب، لأنّ عشيرتهم كانوا أصابوا فيهم دما، فساروا إليه بحريمهم وأموالهم فنزلوا الأحسآء، وأطمعوه فى بنى كلاب وسائر من بقربهم من الأعراب، وطلبوا منه أن يضمّ إليهم رجالا من قبله. ففعل ذلك، ولقوابهم عشيرتهم، فاقتتلوا، فهزمتهم القرامطة وأخذوا الحريم والأموال وعادوا إلى الأحسآء. فاضطّر المغلوبين إلى أن دخلوا فى طاعته. ثم إنه وجّه بجيش آخر إلى بنى عقيل فظفر بهم. فدخلوا أيضا فى طاعته. فملك سائر تلك البلاد، وجمع من أولاد (ص 40) الأعراب من لم يبلغ أربع سنين، وجعلهم فى دور، وأقام عليهم قوما يقومون بجميع مصالحهم، ووسم جميعهم على الخدود لئلاّ يختلطون بغيرهم، وعرّف عليهم عرفاء، وشرع فى تعليمهم
الفروسية، فنشّئوا لا يعرفون غيره، وغير دعوته طبعا لهم. وقبض الأموال من جميع تلك النواحى والثمار والغلال، ورتّب الرّعاة فى الإبل والمواشى، ورتّب قوما لحفظها.
ثم تفرّغ لهجر وحاصرها، حتى بلغ بهم الجهد، وأكلوا السنانير والكلاب. وكان حصارهم يزيد على عشرين شهرا. وآخر أمرهم أنه عمل الحيلة حتى قطع عنهم الماء الواصلة إليهم فى حديث طويل. فلما انقطع عنهم المياه أيقنوا بالهلاك، فهرب بعضهم نحو البحر فركبوه إلى الجزيرة وإلى سيراف وغيرهما. ودخل قوم منها فى دعوته فنقلهم إلى الأحسآء. ثم إنّه أخربها دكّا فهى إلى الآن خراب. وعادت الأحسآء مدينة البحرين.
واتصلت أخباره بالمعتضد بالله أمير المؤمنين، وعظم ما ركبه. فأنفذ العبّاس بن عمرو الغنوى فى ألفى رجل وولاّه البحرين. فورد البصرة وخرج منها نحو هجر، وبينهما بضع عشرة ليلة فى فلاة مقفرة، وذلك فى سنة تسع وثمانين ومئتين، وتبعه من مطوّعة البصرة نحو من ثلاث مئة رجل من بنى ضبّة وغيرهم. وعرف أبو سعيد خبره فسار نحوه. وقدّم قدّامه مقدمة. فكانت بينهم حملات إلى أن حجز الظلام بينهم، فانصرفوا على سوآء. فلما جاء الليل انصرفت مطوّعة البصرة ومن معهم من بنى ضبّة. فانكسرت قلوب جيش السلطان. وأصبحوا فالتقوا،
فكانت الكسرة على أصحاب السلطان. وأسر العباس بن عمرو مع عدّة من أصحابه (ص 41) واحتوى القرمطىّ على عسكره، ثم قتل من غد يومه جميع الأسرى، ثم أحرقهم. وترك العباس بن عمرو. فلما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له: تحبّ أن أطلقك؟
قال: نعم.
قال: على أن تبلّغ عنى ما أقول صاحبك.
قال: أفعل.
قال: تقول له إنّ الذى أنزل بجيشك ما أنزل بغيك وتعدّيك.
هذا بلد كان خارج عن يدك، غلبت عليه وأقمت به. وكان فىّ من الفضل ما آخذ غيره. فما عرضت لما كان فى يدك، ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء، فتوجيهك إلىّ الجيوش لأىّ سبب؟ اعلم أنّى لا أخرج عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفىّ وفى هذه العصابة التى معى روح. فاكفنى نفسك ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر».
ثم أطلقه وأرسل معه من يوصله إلى مأمنه.
ووصل العباس إلى بغداد فى شهر رمضان. فكان الناس يعظّمون شأنه ويكثرون ذكره ويسمّونه قائد الشّهداء.
فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه الاستظهار. فاعتذر بهروب المطوّعة وبنى ضبّة، ثم عرّفه جميع ما قال القرمطى. فقال: صدق، ما أخذ شيئا كان فى أيدينا. ثم أطرق مفكّرا، ثم رفع رأسه. فقال:
كذب عدوّ الله الكافر. المسلمون كلّهم رعيتى حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بى عمر لأسيرنّ بنفسى إلى البصرة وجميع غلمانى، ولا أبرح أسيّر إليه جيش بعد جيش، حتى أقلع شأفته إن شاء الله أو يحكم الله بينى وبينه.
وشغله بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبى الساج. وخرج فى طلبه وهو عليل. وذلك فى شوّال من هذه السنة المذكورة. (ص 42) فأخذه وعاد إلى بغداد. فدامت علّته حتى توفى فى تاريخ ما تقدم من ذكره فى الجزء الذى قبله.
قال الشريف «أخى محسن» رحمه الله: ثم إن أبا سعيد القرمطى بعد إطلاقه العباس بن عمرو أقبل على جمع الخيول، وإعداد السّلاح، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، ونسج الدروع والمغافر، ونظم الجواشن، وضرب السيوف والأسنّة، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب، وتعليم الصبيان الفروسية. وطرد الأعراب عن قربه، وسدّ الوجوه التى يتعرّف منها أمر بلده وأحواله، وعمد إلى إصلاح المزارع وأصول النخل وعمارته،
ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، والاحتياط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقّده واحتياطه أنّ الشاة كانت تدبح فيسلّم اللّحم إلى العرفاء ليفرّقوه على من رسم لهم به، ويدفع الرأس والأكارع والبطون إلى العبيد والإماء، ويجزّ الصّوف والشعر من المعز ويفرّقه على من يغزله، ثم يدفع إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلّم الجلد إلى الدباغ. فإذا خرج سلم إلى خرّازى القرب والروايا والمزاد. وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفافا عمل منه، ثم يجمع ذلك كلّه إلى خزائن معدّة لذلك. وكان ذلك دأبه لا يغفله.
وكان يوجّه فى كل مديدة بخيل إلى ناحية البصرة فيأخذ من وجد، فيستعبد، حتى زاد بلاؤه وعظمت هيبته فى صدور الناس. وقد كان واقع بنى ضبّة-لما كان فى نفسه منهم حين أعانوا العباس بن عمرو- وقائع مشهورة بالشدّة والعظم، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما، وتركهم فيه حتى موّتوا جوعا وعطشا، وزاد بلاه حتى قتل.