الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر علىّ الصليحى الناجم باليمن وما لخّص من خبره
هو أبو الحسن علىّ بن محمد بن علىّ الصّليحىّ القائم باليمن.
وذلك ما رواه القاضى ابن خلّكان فى تاريخه عن الفقيه عمارة اليمنى الشاعر الآتى ذكره إن شاء الله تعالى عند ذكر السلطان صلاح الدين ابن أيّوب فى الجزء التالى لهذا الجزء، وهو المختصّ بذكر دولة بنى أيوب.
قال القاضى شمس الدين ابن خلكان: قال الفقيه عمارة اليمنى فى ترجمة الصالح ابن رزّيك: كان الصّليحى المذكور أبوه قاضيا باليمن سنى المذهب. وكان أهل بيته وجماعته يطيعونه. وكان الداعى عامر ابن عبد الله الرواحى لم يزل يلاطفه ويركب إليه، لرئاسته وسؤدده وصلاحه وعلمه. ثم إن عامرا المذكور استمال قلب ولده علىّ المذكور، وهو يومئذ دون بلوغ الحلم، ولا حت لعامر من الغلام مخايل النجابة.
وقيل كانت عند عامر حلية علىّ الصليحى فى كتاب [الصور]، ويقال إنّه من الكتب (ص 237) العظيمة والذخائر العظيمة. فأوقفه منه على تنقّل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سرّا من أبيه وأهل بيته. ثم إنّ عامرا توفى إلى رحمة الله عن قريب وأوصى إلى علىّ
الصّليحى بكتبه وعلومه، ورسخ فى ذهن علىّ من كلامه ما رسخ، وعكف على الدرس والاشتغال. وكان ذكّيا حاذقا، فلم يبلغ الحلم حتى تضلّع من معارفه التى بلغ بها وبالجدّ السعيد غاية الأمل. فكان فقيها فى مذهب الدولة الإماميّة مستبصرا فى علم التأويل، ثم إنه صار يحجّ بالناس دليلا على طريق السّراة والطائف، فأقام كذلك خمس عشرة سنة. وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، ويكون لك شأن عظيم، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع أنّه أمر قد شاع وذاع فى الناس وكثر على أفواه العالم.
ولما كان فى سنة تسع وعشرين وأربع مئة ثار فى رأس مشار وهو أعلى ذروة تلك الجبال. وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكّة فى موسم سنة ثمان وعشرين وأربع مئة على الموت، والقيام بالدعوة، وما منهم إلاّ من هو فى منعة من قومه وعشائره، وفى عدد جيّد.
ولم يكن ثمّ برأس الجبل المذكور قلعة ولا ما يمنع. فلما ملك الذروة لم ينتصف النهار الذى ملكها فيه حتى أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفّهوا عليه وسفهوا رأيه [وقالوا له]: تنزل طوعا وإلاّ قتلناك ومن معك جوعا وعطشا. فقال لهم: لم أفعل ذلك إلاّ خوفا علينا وعليكم أن يملكه غيرنا. فإنّ تركتمونى أحرسه وإلاّ نزلت. (ص 238) فانصرفوا عنه. ولم يمض شهران من ذلك
التاريخ حتى بناه وحصّنه وأتقنه، واستفحل أمره شيئا فشيئا. وكان يدعو للمستنصر خليفة مصر فى الخفية، ويخاف من صاحب تهامة المسمّى نجاح. فكان يلاطفه ويستكين لأمره. وفى الباطن يعمل الحيلة فى قتله. فلم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة كان أهداها له. وذلك فى سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة بالكدراء.
وفى سنة ثلاث وخمسين كتب الصّليحىّ إلى المستنصر بمصر يستأذنه فى إظهار الدعوة. فأذن له، فطوى البلاد طيّا، وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين حتى ملك اليمن بأسره سهله ووعره، بره وبحره. وهذا أمر لم يعهد مثله فى جاهليّة ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب الناس فى جامع الجند: وفى مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن إن شاء الله تعالى. ولم يكن ملكها بعد. فقال رجل ممن حضر مستهترا: سبّوح قدّوس. فأمر بالحوطة عليه. وساعدت الصليحى المقادير فخطب تلك الجمعة بجامع عدن وهى الجمعة التى ذكرها. فقام ذلك الرجل وتغالى فى القول وأخذ البيعة على نفسه ودخل المذهب.
ومن سنة خمس وخمسين استقرّ حاله فى صنعاء. وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ممالكهم وأسكنهم معه فى صنعاء. وولّى فى الحصون غيرهم، واختطّ بمدينة صنعاء عدّة قصور، فوزنت له زوجته أسماء
عن أخيها سعد بن شهاب مئة ألف دينار. وكان أخوها من أمّها.
فولاّه تهامة. وقال: مولاتنا ({أَنّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ} (ص 239){إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ} ) فتبسم وعلم أنّ ذلك من خزائنه. فقبضه وقال: ({هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا})[فقالت: ({وَنَمِيرُ أَهْلَنا] وَنَحْفَظُ أَخانا}).
ولم يزل مستمر الملك نافذ الأمر إلى هذه السنة. فعزم على الحجّ. فاستصحب معه الملوك [الذين كان يخاف أن يثوروا عليه]، وكذلك زوجته، واستخلف مكانه ولده المكرم أحمد، وهو ولده أيضا منها. وتوجّه فى ألفى فارس فيهم من الصليحيين مئة وستون نفرا. حتى إذا كان بالمهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها: الدهيم وبئر أمّ معبد، وخيّمت عساكره والملوك الذين معه حوله لم يشعر الناس حتى قيل:
قد قتل الصّليحىّ. فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر.
فكان سبب ذلك أنّ سعيد الأحوال بن نجاح صاحب تهامة الذى قتلته الجارية بالسّم بتدبير الصّليحىّ لما توفى أبوه واستولى الصليحىّ على ملك اليمن استتر فى زبيد. وكان أخوه جيّاش فى دهلك. فسيّر إليه وأعلمه أنّ الصليحىّ متوجه إلى مكة فتحّضر حتى تقطع عليه الطريق وتقتله إن شاء الله تعالى. فحضر جيّاش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلا بلا مركب ولا سلاح، بل مع كل
واحد جريدة بآخرها مسمار من حديد، وتركوا جادة الطريق، وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ.
وكان الصليحىّ قد سمع بخروجهم، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين فى ركابه لقتالهم، فاختلفوا فى الطريق. فوصل سعيد ومن معه إلى [طرف] المخيم، وقد أخذ منهم التعب والحفاء وقلّة المادة. وظن الناس أنّهم من جملة عبيد العسكر. ولم يشعر (ص 240) بهم إلاّ عبد الله أخو [علىّ] الصليحىّ. فقال لأخيه: يا مولانا اركب، فهذا والله سعيد بن نجاح. وركب عبد الله. فقال الصليحىّ لأخيه:
إنّى لا أموت إلاّ ببئر أمّ معبد. معتقدا أنها بئر أم معبد التى نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة. فقال له رجل من أصحابه:
قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم وبئر أمّ معبد. فلما سمع ذلك الصليحىّ زمع اليأس من الحياة، وبال فى مكانه، ولم يبرح زامعا بمكانه حتى قطع رأسه بسيفه، وقتل أخوه معه وسائر الصليحيّين. وذلك فى الثانى عشر من ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. وهو الصحيح، ليس فى هذه السنة.
ثم جلس سعيد على فراش الصّليحىّ، وأرسل إلى الخمسة آلاف التى كان أرسلها الصّليحىّ إليه وقال لهم: إنّ الصّليحىّ قد قتل، وأنا رجل منكم. وقد أخذت بثأر أبى. فقدموا عليه ودخلوا تحت طاعته، واستعان بهم على قتال من تبقّى من الصليحيّين وجموعهم، واستظهر عليهم قتلا وأسرا، ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة،
وقرأ القارئ ({قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ}) الآية. ورجع إلى مدينة زبيد، وقد حاز [من] الغنائم ملكا عظيما. ودخلها فى سادس عشر ذى القعدة من السنة المذكورة. وملكها وملك بلادها وبلاد تهامة.
ولم يزل كذلك حتى قتل فى سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، بتدبير الحرّة، وهى امرأة من الصليحيّين فى خبر طويل، لا يمكن استيعابه.
ولما قتل الصليحىّ ورفع رأسه على عود المظلة كما تقدم، عمل فى ذلك القاضى العثمانى شعرا فمن ذلك:
بكرت مظلته عليه فلم ترح
…
إلا على الملك الأجلّ سعيدها
ما كان أقبح وجهه فى ظلّها
…
ما كان أحسن رأسه فى عودها
سود الأراقم قاتلت أسد الشرى
…
وارحمة لأسودها من سودها
قلت: وكان الصّليحىّ شجاعا بطلا مقداما عالما شاعرا فمن شعره:
أنكحت بيض الهند سمر رماحهم
…
فرؤوسهم عرض النثار نثار
وكذا العلا لا يستباح نكاحها
…
إلاّ بحيث تطلّق الأعمار
وذكر العماد الإصبهانّى رحمه الله فى «الخريدة» من شعر الصليحىّ يقول:
وألذّ من قرع المثانى عنده
…
فى الحرب ألجم يا غلام وأسرج
خيل بأقصى حضر موت أشدها
…
وزئيرها بين العراق ومنبج
وذكر صاحب كتاب «دمية القصر» ممّا اختاره من شعر الصليحىّ:
وسرجى فراشى والحسام مضاجعى
…
وعدة حربى، لا ذوات الخلاخل
ورمحى يعاطينى البعيد لأننى
…
تناولت ما أعيا على المتناول
ولى همة تسمو على كلّ همّة
…
ولى أمل أعيا على كل آمل
ولى من بنى قحطان أنصار دولة
…
بطاريق من أنجاد كلّ القبائل
ومما أجابه الحسين بن يحيى الحكّاك المكى فأحسن:
رويدك ليس الحقّ ينفى بباطل
…
وليس مجدّ فى الأمور كهازل
كزعمك أنّ الدرع لبسك فى الوغى
…
وذاك لجبن فيك غير مزايل
وهل ينفعنّ السيف يوما ضجيعه
…
إذا لم يضاجعه بيقظة باسل
فهلاّ اتخذت الصبر درعا وجنة
…
كما الصبر درعى فى الخطوب النوازل
وتفخر أن أصبحت مأمول عصبة
…
فأخسس بمأمول وأخسس بآمل
وهل هى إلاّ فى تراث جمعته
…
فهلاّ عدت فى بذل معروف ونائل
كما همّنا فاعلم إجابة سائل
…
وإسعاف ملهوف وإغناء عائل
وختمها:
ولا تغترر باللّيث عند خدوره
…
فكم خادر فاجا بوثبة صائل