الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة ثمانى وسبعين وأربع مئة
النيل المبارك فى هذه السنة:
الماء القديم ستة أذرع وسبعة عشر إصبعا.
مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين، وبنو سلجوق بحالهم.
والمستنصر خليفة مصر، وأمير الجيوش بدر الجمالى مدبّر الممالك المصرية.
وفيها كان ابتدآء دولة بنى منقذ بشيزر.
قال العماد الإصفهانى رحمه الله فى كتاب «السيل والذيل» : إن فى هذه السنة تسلّم أبو الحسن علىّ بن مقلّد بن نصر بن منقذ الكنانى الملقب بسديد الملك قلعة شيزر.
وذلك أنّه كان شجاعا مقداما قوىّ النفس. وهو أول من ملك قلعة من بنى منقذ. وكان نازلا بجوار القلعة بالقرب من الجسر المعروف
اليوم بجسر بنى منقذ. وكانت القلعة يومئذ فى يد الروم، فحدثته نفسه بأخذها. فنازلها بقومه وعشيرته وتسلّمها بالأمان.
وقيل كان ذلك فى سنة أربع وسبعين وأربع مئة.
ولم تزل فى يد بنيه إلى أن كانت الزلزلة العظيمة، فهدمت القلعة ومات أكثرهم تحت الردم، وشغرت، فجاءها نور الدين محمود ابن الملك زنكى صاحب الشام فى بقية سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة.
وكانت هذه الزلزلة يوم الاثنين ثالث رجب من السنة المذكورة.
وتسلّم نور الدين القلعة وعمرها بعد ذلك.
وذكر القاضى بهاء ابن شدّاد صاحب «سيرة السلطان صلاح الدين» -رحمهما الله-فى السيرة المذكورة أنه جاءت زلزلة عظيمة بحلب، وأخربت كثيرا من البلاد. وأرّخ ذلك فى ثانى عشر شوال سنة خمس وستين وخمس مئة (ص 243) وهذه زلزلة أخرى غيرها تيك، وسيأتى ذكرهما فى تاريخهما الآتى من الجزء التالى لهذا الجزء إن شاء الله تعالى.
وكان سديد الملك بن منقذ المذكور مقصودا جوادا شجاعا، وخرج من بنيه جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء. ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخيّاط، والخفاجىّ، وشرف الدين ابن الحلاوى شاعر الموصل،
وعبد المحسن الصّورى، وغيرهم. وسيأتى بعد ذكره شيئا من أشعارهم، وكان له شعر جيّد. فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه، وكان كثير الشغف به فقال:
أسطو عليه وقلبى لو تمكّن من
…
كفّىّ غلّهما غيظا إلى العنق
وأستطير إذا عاقبته حنقا
…
وأين ذلّ الهوى من عزّة الحنق
وكان موصوفا بقوّة الفطنة. وتنقل عنه حكايات عجيبة. فمن ذلك ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان رحمه الله فى تاريخه قال: كان يتردّد إلى حلب قبل تملّكه شيزر، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فجرى له أمر خاف سديد الملك على نفسه منه، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك ابن عمّار، فأقام عنده. فتقدّم صاحب حلب إلى كاتبه أبى نصر محمد بن على بن النحاس أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوّقه ويستعطفه ويستدعيه إليه. وفهم الكاتب أنّه يقصد له شرّا. وكان صديقا لسديد الملك فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى إن شاء الله تعالى فشدّد النون وفتحها.
فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمّار صاحب
طرابلس ومن بمجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكاتب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود (ص 244) فيه وإيثار لقربه.
فقال سديد الملك: إنى أرى فى الكتاب ما لا ترون. ثم إنّه أجابه عن الكتاب بما اقتضى الحال من جوابه، وكتب فى جملة الكتاب:
أنا الخادم المقرّ بالإنعام وكسر الهمزة من أنا وشدّد النون. فلما وصل الكتاب إلى محمود وقف الكاتب عليه فسرّ بما فيه. وقال لأصدقائه:
قد علمت أنّ الذى كتبته لا يخفى على سديد الملك. وقد أجاب بما طيّب به قلبى.
وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى ({إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}) فأجاب سديد الملك ({إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها}) ولنذكر الآن قصيدة ابن الحلاوى الفريدة، ذى المعانى المجيدة:
حكاه من الغصن الرطيب وريقه
…
وما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبى محلّه
…
غزال ولكن سفح عينى عقيقه
وأسمر يحكى الأسمر اللّدن قدّه
…
غدا راشقا قلب المحب رشيقه
على خده جمر من الحسن مضرم
…
يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه
منها:
من الترك لا يصبيه وجد إلى الحمى
…
ولا ذكر بانات الغوير يشوقه
له مبسم ينسى المدام بريقه
…
ويخجل نوّار. الأقاحى بريقه
تداويت من حرّ الغرام ببرده
…
فأضرم من ذاك الحريق رحيقه
منها:
حكا وجهه بدر السماء فلو بدا
…
مع البدر قال الناس: هذا شقيقه
وأشبه زهر الروض حسنا وقد بدا
…
على عارضيه آسه وشقيقه
على وجنتيه للعذار جديده
…
وفى شفتيه للعقار عتيقه
فما فاز إلاّ من يكون صبوحه
…
شراب ثناياه ومنها غبوقه
على مثله يستحسن الصب هتكه
…
وفى حبه يجفو الصديق صديقه
أحبة قلبى جيرتى نحو أرضكم
…
يحنّ فؤادى ليس يخفى خفوقه
وأشتاق هاتيك المنازل والحما
…
ومن ذا الذى ذكر الحمى لا يشوقه
ومما يدلّ على علو طبقة هذا الرجل الفاضل قوله:
كتبت فلولا أنّ ذاك محرّم
…
وهذا حلال قست لفظك بالدرّ
فو الله ما أدرى أزهر خميلة
…
بطرسك أم درّ يلوح على نحر
فإن كان زهرا فهو صنع سحابة
…
وإن كان درّا فهو من لجّة البحر
وعلى معنى البيت الذى فى قصيدته القافية وهو:
حكا وجهه بدر السماء فلو بدا
…
مع البدر قال الناس هذا شقيقه
قول:
خليلىّ ما أحلا صبوحى بدجلة
…
وأطيب منها بالصراة غبوقى
شربت من الماءين ماء وكرمة
…
فكانا كدرّ ذائب وعقيق
على قمرى أفق وأرض تقابلا
…
فمن شائق حلو الهوى ومشوق
فما زلت أسقيه وأشرب ريقه
…
وما زال يسقينى ويشرب ريقى
فقلت لبدر التمّ: تعرف ذا الفتى؟
…
فقال: نعم هذا أخى وشقيقى
ومن القصايد البديعة الجارية كجرى السّلاف فى أعطاف اللطاف قصيدة عبد المحسن الصورى:
عاد الفؤاد إلى قديم ضلاله
…
ورأى الرجوع إلى وداد غزاله
وخفى عليه الرشد حين أراده
…
وتنافرا إذ ليس من أشكاله
مطل العذول بصبره متوانيا
…
وأجاب داعى الحب قبل سؤاله
شغفا بمرتجّ الروادف أهيف
…
كالغصن يثنيه نسيم شماله
عظمت محاسنه فحين خبرته
…
صغرت محاسنه لحسن فعاله
هجراته كالدهر فى إدباره
…
ووصاله كالسعد فى إقباله
جمع الجمال فكلّ ما أبصرته
…
من غيره فهو اختصار جماله
للحسن إلف تابع ومساير
…
من خلفه ويمينه وشماله
لو أنّه يوما تمنّى حسنه
…
ما كان يخطر كلّ ذا فى باله
انظر إلى ما شئت منه فكلّه
…
لمحبّه حجج على عذّاله
يا من يقيس بوجهه البدر اعتذر
…
مما جنيت فليس من أمثاله
البدر يقصر عن حكاية كلّه
…
لم يحكه إلاّ ببعد مناله
إنّ الشقيق رأى محاسن وجهه
…
فأراد أن يحكيه فى أحواله
فأفاد حمرة لونه من خدّه
…
وأفاد لون سواده من خاله
يا أيّها البدر البديع جماله
…
ارحم فتى أنت العليم بحاله
لو سيل عن آماله من دهره
…
ما كان غير رضاك من آماله
قلت: لا أعلم ما يشاكل رقّة الخمر فى رقة الزجاج حتى تشاكلا فى الليل الداج، فهنالك تشاكل الأمر، أن يفرق بين الزجاج والخمر، كرقة هذا القصيد، الذى عاد لاختراع المعانى وصيد، وليس لها نظير، إلا قصيدة الوزير، أبى الوليد ابن زيدون، التى لولا التغالى لكانت حقيقه بكلمة الكاف والنون، وستأتى أبياتها، فى مكان يستحق إثباتها.