الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سبب خروج القرامطة إلى دمشق
وكان لما انهزمت أهل دمشق من المغاربة خرج ابن أبى يعلى إلى الغوطة، ثم طلب البريّة يريد بغداد يستصرخ بالخليفة على المغاربة، حتى إذا صار نحو تدمر لحقه ابن عليّان العدوى فأخذه وردّه إلى جعفر ابن فلاح. فشهره فى عسكره على جمل ثم حمله إلى مصر.
وكان محمد بن عصودا انهزم وخفى أمره، وتوصّل حتى صار إلى الأحساء إلى القرامطة. وقد كان استقرّ من أمرهم أن يأخذوا الخفائر من سائر الأقاليم ومن خليفة بغداد، ويقال خفارة الحاج، بعد أمور كثيرة جرت لو أثبتها كانت عدة أجزاء. وكان قد صار إليهم قبل محمد بن عصودا ظالم العقيلى لمّا انهزمت بنو عقيل أوّلا من حوران.
وكان يحثّهم على المسير إلى الشام. وردفه ابن عصودا فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأنّ المال الذى كان تقرر على الإخشيدية لهم بسبب الخفارة حسبما ذكرنا انقطع لمّا زالت دولتهم وملكت المغاربة. فكانوا على المسير إلى الشام من غير محرّك ولا محثّ.
وكان جعفر بن فلاح لما تمكّن من دمشق وأخذ منها الأموال، وكبرت أحواله، طمع فى أخذ انطاكية. وظن أن ليس بها من يمنع.
وكان لها نحو من ثلاث سنين مذ أخذها الروء من المسلمين. فأنفذ إليها عسكرا عليه غلام له يقال له فتوح. وكان ذلك فى شهر صفر
أو فى ربيع الأوّل سنة ستين وثلاث مئة. وحشد الناس من أعمال دمشق وغيرها (ص 90) وأنفذ عسكرا بعد عسكر. وكان ذلك بدوّ الشتاء.
فقاسوا الناس مشقّة عظيمة من قوّة البرد وانكلاب الشتاء. ولم يزالو كذلك حتى أقبل الربيع. وقاتلوهم أهل أنطاكية أشدّ قتال، فلم يبلغوا منها أرب. وكان على الإسكندرونة عسكر للروم ذكر أنّه عسكر الطربارى. فجهّز إليهم ابن فلاح سرية فيها أربعة آلاف عليها كبير من المغاربة يقال له عراس، ومعه ابن الزيات أمير الطرسوسيّين. فساروا حتى أشرفوا على معسكر الروم. فنظروا إلى مضارب الروم فى مرجها وفيها خيم من الديباج. فتسرّعوا إلى النهب.
وكان الطبربارى أحسّ بهم فأخذ المقاتلة من عسكره وتنحّى عن السواد.
فلما دخلت المغاربة الخيام للنهب حمل عليهم الطبربارى. فانهزموا وأخذهم السيف من كل جانب. وادر ابن الزيات فأخذ عراس وصعد به الجبل فأفلت. وهلك من كان منهم فى المضيق. فكانت هذه أول خمولهم. وانكسرت قلوبهم، وبدأ أمرهم ينحلّ. وكانت الأخبار قد وردت على ابن فلاح أنّ القرامطة سائرون إلى الشام وأن ظالما المقوّى لهم. فورد عليه من ذلك مورد عظيم.
ثم إن القرامطة خرجوا من بلدهم متوجهين إلى أرض الكوفة، ثم كانت لهم إلى بغداد مراسلات. وأنفد إليهم خزانة سلاح من بغداد وتوقيع بأربع مئة ألف درهم على أبى تغلب بن ناصر الدولة ابن حمدان. ورحل القرمطىّ عن الكوفة فنزل الرحبة. وكان عليها أبو تغلب المذكور فى قصة له. فحمل إليهم العلوفة، وحمل إليهم المال الذى كتب لهم به، وأرسل إلى سيد القرامطة-وهو يوم ذاك الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الجنّابى المقدّم ذكره-يقول له:
هذا شئ (ص 91) أردت أن أسير إليه بنفسى، وأنت تقوم مقامى فيه، وأنا مقيم فى هذا المقام إلى أن يرد علىّ خبرك. فإن احتجت إلى مسيرى سرت إليك. ونادى فى عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيديّة وغيرهم إلى الشام فلا حجر عليه، فليسر مع السيد الحسن ابن أحمد، فالعسكران واحد.
فخرج إلى عسكر القرمطىّ جماعة كبيرة من عسكر أبى تغلب.
وكان فيه كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين. ولما بلغ القرمطىّ ذلك سرّه وزاده قوّة. وسار إلى الرحبة طالبا لعسكر ابن فلاح.
فلما كان يوم الخميس لست خلون من ذى القعدة سنة ستين
وثلاث مئة، وهى هذه السنة، التقيا القرمطىّ وجعفر بن فلاح.
وكانت الكسرة على المغاربة. وتمزقوا كلّ ممزّق، وتفرقوا فرقا، وانهزم كثير منهم مع جعفر بن فلاح يريدون الدكّة بدمشق. فكثرت عليهم العرب، وثار العثار فلم يعرف الكبير منهم من غيره، وقتل جعفر بن فلاح فى المعمعة وهم لا يعرفونه. ثم انهزم الذين كانوا معه، يطلبون وادى الريح. وتسلّقوا فى الجبل واشتغل عنهم بالنهب، حتى استوسقوا، حتى جنّهم الليل.
فلما كان بعد الوقعة عبر بجعفر بن فلاح من عرفه وهو مقتول مطروح على الطريق. فجاءه ابن عصودا فأخذ رأسه وصلبه على حائط فى داره. أراد بذلك أخذ ثار أخيه الذى كان قتله مع تلك الجماعة من حمّال السلاح.
ثم إنّ القرمطىّ نزل بعد الوقعة على ظاهر المزّة، فجبى له مالا من البلد، وسار يريد الرملة.
وكان قد أنفد إليها جوهر القائد من مصر رجلا من المغاربة يقال له سعادة ابن حيّان ذكر أنّه فى إحدى عشر ألفا. فلما بلغ
(ص 92) ابن حيان الخبر تحصّن فى يافا. فنازله القرمطىّ بجيوشه وحصره بها. ثم ترك على حصاره أبا المنجّا وظالم العقيلى وتوجّه القرمطى يريد مصر، حسبما يأتى ذكره فى تاريخه.
وفيها كان النواح ببغداد على العادة المستقرة حسبما ذكر.