الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقيِّدها. والاحْتِجاجُ بهذا (19) أوْلَى مِن المصيرِ إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ (20) وتُرِكَ العملُ به. وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْروعِيَّةِ اليَمِينِ عند المِنْبرِ، إنَّما فيه تَغليظُ الإِثم (21) على الحالفِ عندَه، ولا يَلْزَمُ من هذا الاسْتِحْلافُ عندَه. وأمَّا قِصَّةُ مَرْوانَ، فمِن العجبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ فى قَضِيَّةٍ خالفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابةِ وقاضيهم وأفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحتَجَّ به مِن قَولِ مَرْوانَ؛ فإِنَّ قولَ مَرْوانَ لو انْفَردَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيف يجوزُ الاحْتِجاجُ به على مُخالفةِ إجماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أئمَّتِهم وفُقهائِهم (22)، ومُخالَفته فعلَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، وإطلاقَ كتاب اللَّهِ تعالى؟ وهذا ما لا يجوزُ. وإنَّما ذكرَ الْخِرَقِىُّ التَّغْلِيظَ بالمكانِ واللَّفظِ فى حقِّ الذِّمِّىِّ، لِاسْتِحْلافِ النَّبىِّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ، بقولِه:"نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى". ولقولِ اللَّهِ تَعالى فى حقِّ الكِتابِيَّيْن: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} . ولأنَّه رُوِىَ عن كعبِ بن سُورٍ، فى نَصْرانِىٍّ قال: اذهبوا به إلى المَذْبحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ فى حِجْرِه، والتَّوراةَ على رَأسِه. وقال الشَّعْبِىُّ فى نَصْرانىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتحلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ حُجَّةَ تُوجِبُ أَنْ يُسْتحْلَفَ فى مكانٍ بِعَيْنِه، ولا بيَمِين غيرِ [الذى يُسْتَحْلَفُ](23) بها المسلمون. وعلى كلِّ حالٍ، فلا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ التَّغْلِيظَ بالزمانِ والمكانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إِلَّا أَنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ أَنَّ فى وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْنِ للشَّافعىِّ. وخالفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ القاضىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه فى عمَلِه وبلدِ قَضائِه (24)، جازَ، وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ فيه اخْتِيارٌ. فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتيارًا واسْتِحْسانًا.
فصل:
قال ابنُ المُنْذِرِ: لم نَجِدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَفِ. وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدون بالمُصْحَفِ، ورأيت ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضى بصنعاءَ، يُغلِّظُ اليَمِينَ
(19) فى ب: "بها".
(20)
فى ب: "بالقياس".
(21)
فى م: "اليمين".
(22)
سقط من: الأصل.
(23)
فى أ: "المستحلف".
(24)
فى الأصل: "قضاياه".
بالمُصْحَفِ. قال أصحابُه: فيُغَلَّظُ عليه بإحْضارِ المُصْحَفِ؛ لأنَّه يَشْتمِلُ على كلامِ اللَّهِ تعالى وأسْمائِه. وهذا زيادةٌ على ما أمرَ به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فى اليَمِينِ، وفَعَله (25) الخلفاءُ الرَّاشِدون (26) وقُضاتُهم، مِن غيرِ دليلٍ ولا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إليها، ولا يُتْرَكُ فِعْلُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه (26) لِفعلِ ابنِ مازنٍ ولا غيرِه.
1915 -
مسألة؛ قال: (وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ. وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ (1) عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْعِلْمِ)
معنى البتِّ: القطعُ. أى يَحْلِفُ باللَّهِ مالَه علىَّ شىءٌ. وجملةُ الأمرِ أَنَّ الأيْمانَ كلَّها على البَتِّ والقَطْعِ، إلا على نَفْىِ فعلِ الغيرِ، فإنَّها على نَفْىِ العِلْمِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ. وقال الشَّعبىُّ، والنَّخَعِىُّ: كلُّها على العلمِ. وذكرَه ابنُ أبى موسى رِوايةً عن أحمدَ. وذكرَ أحمدُ حديثَ الشَّيْبانىِّ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَضْطرُّوا النَّاسَ فِى أَيْمَانِهِم أَن يَحْلِفوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ"(2). ولأنَّه لا يُكَلُّفُ ما لا عِلْمِ له به. وقال ابنُ أبى ليلَى: كلُّها على البَتِّ، كما يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم استحلَفَ رَجلًا فقالَ له:"قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، مَالَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ"(3). ورَوَى (4) الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أَنَّ رجلًا مِن كِنْدَةَ، ورجلًا من حضْرَمَوْتَ، اخْتَصما إلى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، فى أرْضٍ من اليَمنِ، فقال الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللَّه، إِنَّ أرْضِى اغْتصَبَنيها أبو هذا، وهى فى يدِه. فقال:"هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا، ولكَن، أُحَلِّفُه واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى اغْتَصَبَنِيها (5) أبُوه. فتهيَّأ الكِنْدِىُّ لليَمينِ. روَاه أبو داود (6). ولم يُنْكِرْ ذلك النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه (7) الإِحاطةُ بِفعْلِ
(25) أى: وعلى ما فعله الخلفاء.
(26)
سقط من: الأصل.
(1)
فى الأصل: "للوارث".
(2)
أخرجه عبد الرزاق، فى: باب اليمين بما يصدقك صاحبك. . .، من كتاب الأيمان والنذور. المصنف 8/ 494.
(3)
تقدم تخريجه، فى: صفحة 222.
(4)
سقط من: أ.
(5)
فى الأصل، أ:"اغتصبها".
(6)
تقدم تخريجه، فى: صفحة 32.
(7)
فى أ: "عليه".