الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2000 - مسألة؛ قال: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ)
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، واللَّيْثِ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو قَدِيمُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ، قال: ولا وَجْهَ لقَوْلِ مَن (1) قال: لا يجوزُ. وحكى أبو الخَطَّاب، عن أحمدَ، رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُه. وهو قولُ مالِكٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، والجَديدُ من قَوْلَىِ الشافِعِىِّ؛ لأَنَّه عَقدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ كَسْبِه، فمَنَعَ (2) بَيْعَه، كبَيْعِه وعِتْقِه. وقال الزُّهْرِىُّ، وأبو الزِّناد: يجوزُ بَيْعُه برِضَاهُ، ولا يجوزُ إذا لم يَرْضَ. وحُكِىَ ذلك عن أبى يوسفَ؛ لأنَّ بَرِيرَةَ إنَّما بِيعَت برِضَاها وطَلَبِها (3)، ولأَنَّ لِسَيِّدِه اسْتِيفاءَ مَنافِعِه برِضَاهُ، ولا يجوزُ بغيرِ رِضَاهُ، كذلك بَيْعُه. ولَنا، ما رَوَى عُرْوَةُ، عن عائِشَةَ، أنَّها قالتْ: جاءَت بَرِيرَةُ إلىَّ، فقالتْ: يا عائشةُ، إنِّى كاتَبْتُ أَهْلِى على تِسْعِ أواقٍ، فى كُلِّ عامٍ أوقِيَّةٌ، فأعِينِينِى. ولم تكُنْ قَضَتْ من كتابتِها شَيْئًا، فقالتْ لها عائشةُ، ونَفِسَتْ (4) فيها: ارْجِعِى إلى أَهْلِك، إِنْ أحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهم ذلك جميعًا، فَعَلْتُ. فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فعَرَضَتْ عليهم ذلك، فأَبَوْا، وقالُوا: إن شاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ (5) عليكِ فَلْتَفْعَلْ، ويكونَ ولاؤُك لنا. فذَكَرَتْ ذلك عائشةُ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"لَا يَمْنَعُكِ ذلِكَ مِنْهَا، ابْتَاعِى وَأَعْتِقِى، إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فقام رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فى الناسِ، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، ثم قال:" [أمَّا بَعْدُ، فَمَا] (6) بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ (7) اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُهُ أَوْثَقُ، وَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". مُتَّفَقٌ عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: بيعَتْ بَرِيرَةُ بعِلْمِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، وهى مُكاتَبَةٌ، ولم يُنْكِرْ ذلك، ففى ذلك أبْيَنُ البَيانِ أَنَّ بَيْعَه جائِزٌ،
(1) فى م زيادة: "مكاتب".
(2)
فى ب، م:"فيمنع".
(3)
تقدم تخريجه، فى: 6/ 326، 8/ 359، 360.
(4)
فى م: "ونقست". ونفست: رغبت.
(5)
فى الأصل: "تحسب".
(6)
فى ب، م:"ما".
(7)
فى الأصل: "فقضاء".
ولا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، ولا أعلمُ فى شىءٍ من الأخْبارِ دليلًا على عَجْزِها. وتأوَّلَه (8) الشَّافِعِىُّ على أنَّها كانتْ قد عَجَزَت، وكان بَيْعُها فَسْخًا لكتابَتِها. وهذا التَّأْويلُ بعيدٌ يحْتاجُ إلى دليلٍ فى غايَةِ القُوَّةِ، وليس فى الخبرِ ما يدُلُّ عليه، بل قَوْلُها: أَعِينِينِى على كِتابَتِى. دَلالَةٌ على بَقائِها على الكتابةِ، ولأنَّها أَخْبَرَتْها أَنَّ نُجومَها فى كُلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ، فالعَجْزُ إنَّما يكونُ بمُضِىِّ عامَيْن عندَ مَنْ لا يَرَى العَجْزَ إِلَّا بحُلولِ نَجْمَيْن، أو بِمُضِىِّ عامٍ عندَ الآخَرِين، والظَّاهِرُ أَنَّ شِراءَ عائشةَ لها كان فى أوَّلِ كِتابَتِها، ولا يصِحُّ قِياسُه على أُمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ سَبَبَ حُرِّيَّتِها مُسْتَقِرٌ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فَسْخُه (9) بحالٍ، فأشْبَهَ الوَقْفَ، والمُكاتَبُ يجوزُ ردُّه إلى الرِّقِّ، وفَسْخُ كتابتِه إذا عَجَزَ، فافْتَرَقا. قال ابنُ أبى موسى: وهل للسَّيِّدِ أَنْ يبيعَ المُكاتَبَ بأكثرَ ممَّا كاتَبَ (10) عليه؟ على رِوايَتَيْن. ولأَنَّ المُكاتبَ عبدٌ مملوكٌ لسيِّدِه، لم (11) يتحتّمْ عِتْقُه، فجازَ بَيْعُه، كالمُعلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ والدليلُ على أنَّه مَمْلوكٌ، قولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:"الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ"(12). وأنَّ مَوْلاتَه [لا يَلْزَمُها](13) أَنْ تَحْتجِبَ منه، بدليلِ قولِه عليه السلام:"إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ"(12). فيدلُّ على أنّها لا تحتجبُ قبلَ ذلك. وقد رَوَيْنا فى هذا عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَة، أنَّه قال: قالتْ لى أُمُّ سَلَمَةَ: يا نَبْهانُ، هل عِنْدَك ما تُؤَدِّى؟ قلتُ: نعمْ. فأرْخَتِ (14) الحِجابَ بينِى وبينَها، ورَوَتْ هذا الحديثَ. قال: فقلتُ: لا واللَّه، ما عِنْدِى ما أُؤَدِّى، ولا أنا بِمُؤَدٍّ (15). وإنَّما سَقَطَ الحِجابُ عنها منه؛ لكَوْنِه مَمْلوكَها، ولأنَّه يصِحُّ عِتْقُه، ولا يصِحُّ عِتْقُ مَنْ ليس بمَمْلوكٍ، ويَرْجِعُ عندَ العَجْزِ إلى
(8) فى م زيادة: "له".
(9)
فى الأصل: "فسخها".
(10)
سقط من: م.
(11)
فى ب: "فلم".
(12)
تقدم تخريجه، فى: 9/ 125.
(13)
فى ب: "لزمها".
(14)
فى الأصل، م:"فأخرجت".
(15)
أخرجه البيهقى، فى: باب الحديث الذى روى فى الاحتجاب عن المكاتب، من كتاب المكاتب. السنن الكبرى 10/ 327. وعبد الرزاق، فى: باب عجز المكاتب وغير ذلك، من كتاب المكاتب. المصنف 8/ 409.