الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُخِلُّ بمَقْصُودِ الكِتابةِ، وهو العِتْقُ بها. ويمكنُ وجودُ سِرَايةِ العِتْقِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، بأنْ يُكاتِبَه على مِثْلَىْ قِيمَتِه، فإذا عَتَقَ عليه، غَرِمَ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِه، وسَلَّمَ له باقِىَ المال، وحَصَلَ له وَلاءُ العبدِ، ولا ضَرَرَ فى هذا. ثم لو كان فيه ضَرَرٌ، لكنْ قد رَضِىَ به [حينَ كِتابَتِه على أمَلَّ ممَّا كاتَبَه به شَرِيكُه، والضَّرَرُ المَرْضِىُّ به](27) مِن جِهَةِ المَضْرُورِ لا عِبْرَةَ به، كما لو باشَرَه (28) بالعِتْق، أو أبْرَأهُ مِن مالِ الكِتابةِ، فإنَّه يَعْتِقُ عليه، ويَسْرِى عِتْقُه، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه، وهو جائِزٌ، فهذا أوْلَى بالجَوازِ. ولا يجوزُ أن يَخْتَلِفَا فى التَّنْجِيمِ، ولا فى أن يكون لأحَدِهما فى النُّجُومِ قبلَ النَّجْمِ الأخيرِ أكثرُ من الآخَرِ. فى أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأَنَّه لا يجوزُ أن يُؤَدِّىَ إليهما إِلَّا على السَّواءِ، ولا يجوزُ تقديمُ أحَدِهما بالأدَاءِ على الآخَرِ، واخْتِلافُهما فى مِيقَاتِ النُّجُومِ، وقَدْرِ المُؤَدَّى فيهما، يُفْضِى إلى ذلك. والثانى، يجوزُ؛ لأَنَّه يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لمن تأَخَّرَ نَجْمُه قبلَ مَحَلِّه، ويُعْطِى مَنْ قَلَّ نَجْمُه أكثرَ من الواجِبِ له، ويُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ له أحَدُهما فى الدَّفْعِ إلى الآخَرِ قبلَه، أو أكثرَ منه، ويُمْكِنُ أن يُنْظِرَه مَنْ حَلَّ نَجْمُه، أو يَرْضَى مَنْ له الكثيرُ بأَخْذِ دُونَ حَقِّه، وإذا أمْكَنَ إفْضاءُ العَقْدِ إلى مَقْصُودِه، فلا نُبْطِلُه باحْتمالِ عَدَمِ الإِفْضاءِ إليه.
فصل:
وليس للمُكاتَبِ أَنْ يُؤَدِّىَ إلى أحَدِهما أكثرَ من الآخَرِ، ولا يُقَدِّمَ أحَدَهُما على الآخَرِ. ذكَرَه القاضى. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. ولا أعْلُم فيه خِلافًا؛ لأنَّهما سَواءٌ فيه، فيَسْتَوِيانِ فى كَسْبِه، وحَقُّهُما مُتَعَلِّقٌ بما فى يَدِه تَعَلُّقًا واحدًا، فلم يَكُنْ له أَنْ يَخُصَّ أحَدَهما بشىءٍ منه دُونَ الآخَرِ، ولأنَّه ربَّما عَجَزَ، فيَعُودُ إلى الرِّقِّ، ويتَساوَيانِ فى كَسْبِه، فيَرْجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بما فى يَدِه من الفَضْل بعدَ انْتِفاعِه به مُدّةً. فإن قَبَضَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ شيئًا، لم يَصِحَّ القَبْضُ، وللآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ منه (29) حِصَّتَه إذا لم يَكُنْ أَذِنَ فى القَبْضِ، وإِنْ أذِنَ فيه، ففيه وَجْهان، ذكَرَهما أبو بكرٍ؛ أحدهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّه، فجاز بإذْنِه، كما لو أذِنَ المُرْتَهِنُ للراهِنِ فى التَّصَرُّفِ فمِه، أو أذِنَ البائِعُ للمُشْتَرِى فى قَبْضِ المَبِيعِ (30) قبلَ تَوْفِيَةِ ثَمَنِه، أو أذِنَا للمُكاتَبِ فى التَّبَرُّعِ، ولأنَّهما لو أذِنَا له فى
(27) سقط من: الأصل. نقل نظر.
(28)
فى الأصل: "باشر".
(29)
فى ب، م:"من".
(30)
فى ب، م:"البيع".
الصَّدَقةِ بشىءٍ، صَحَّ قَبْضُ المُتَصَدَّقِ عليه له، كذلك ههُنا. والثانى، لا يجوزُ. وهذا اخْتِيارُ أبِى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَى الشافعىِّ، واختيارُ المُزنِىِّ؛ لأنَّ ما فى يَدِ المكاتَبِ مِلْكٌ له، فلا يَنْفُذُ إذْنُ غيرِه فيه، وإنَّما حَقُّ سَيِّدِه فى ذِمَّتِه. والأَوَّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، فإذا اتّفَقُوا على شىءٍ، فلا وَجْهَ للمَنْعِ. وقولُهم: إنَّه مِلْكٌ للمُكاتَبِ. تَعْلِيقٌ على العِلّةِ ضِدَّ ما تَقْتَضِيه؛ لأنَّ كَوْنَه مِلْكًا له يَقْتَضِى جَوازَ تَصَرُّفِه فيه، على حَسبِ اخْتِيارِه، وإنَّما المَنْعُ لتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِه به، فإذا أذِنَ، زال المانِعُ، فصَحَّ التَّقْبِيضُ، لوُجُودِ مُقْتَضِيه، وخُلُوِّه من المانعِ، ثم يَبْطُلُ بما (31) ذكَرْناهُ (32) من المسائلِ. فعلى هذا الوَجْهِ، إذا دَفَعَ إلى أحَدِهما مالَ الكِتابةِ بإذْنِ صاحِبه، عَتَقَ نَصِيبُه مِن المُكاتَبِ؛ لأَنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه، ويَسْرِى العِتْقُ إلى باقِيه، وعليه قِيمةُ حِصَّةِ شَرِيكِه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبِه. هذا قَوْلُ الْخِرَقِىِّ. ويَضْمَنُه فى الحالِ بنِصْفِ قِيمَتِه مُكاتَبًا، مُبْقًى (33) على ما بَقِىَ عليه مِن كِتابَتِه، ووَلاؤُه كلُّه له، وما فى يَدِه من المالِ للَّذى (34) لم يَقْبِضْ منه بقَدْرِ ما قَبَضَه صاحِبُه، والباقِى بين العبدِ وبينَ سَيِّدِه الذى عَتَقَ عليه؛ لأنَّ نِصْفَه عَتَقَ بالكتابةِ، ونِصْفَه بالسِّرايَةِ، فحِصَّةُ ما عَتَقَ بالكِتابةِ للعبدِ، وحِصَّةُ ما عَتَقَ بالسِّرايةِ لسَيِّدِه. وعلى ما اخْتَرْناه، يكونُ الباقى كلّه للعبدِ؛ لأنَّ الكَسْبَ كان مِلْكًا له، فلا يَزُولُ مِلْكُه عنه بعِتْقِه، كما لو عَتَقَ بالأدَاءِ. وقال أبو بكرٍ، والقاضى: لا يَسْرِى العِتْقُ فى الحالِ، وإنَّما يَسْرِى عندَ عَجْزِه. فعلى قولِهما، يكون باقِيًا على الكِتابةِ، فإن أدَّى إلى الآخَرِ، عَتَقَ عليهما، ووَلاؤُه لهما، وما تَبَقَّى (35) فى يَده مِن كَسْبِه فهو له. وإن عَجَزَ (36)، وفُسِخَتْ كِتابَتُه، قُوِّمَ على الذى أدَّى إليه، وكان وَلاءُ جَمِيعِه له، وتَنْفَسِخُ الكِتابة فى نِصْفِه. وإن مات، فقد مات ونِصْفُه حُرٌّ، ونِصْفُه رَقِيقٌ، ولسَيِّدِه الذى لم يعْتِقْ نَصِيبَه أن يَأْخُذَ ممَّا خَلَّفَه مثلَ ما أخَذَه شَرِيكُه من مالِ الكِتابةِ، وله نِصْفُ ما تَبَقَّى (35)، والباقى لوَرَثةِ العبدِ،
(31) فى ب، م:"لما".
(32)
فى أ، ب، م:"ذكرنا".
(33)
فى ب: "يبقى".
(34)
فى أ، ب، م:"الذى".
(35)
فى ب، م:"بقى".
(36)
فى الأصل: "عجزه".