الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
إذا قال أَحَدُ الشَّريكَيْنِ لشريكِه: إذا اعتَقْتَ نصيبَكَ، فنَصِيبِى حُرٌّ مع نَصيبِك. فاعتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَا معًا، ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شىءٌ. وقيل: يَعْتِقُ كُلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصِيبِهِ شرطُ عِتْقِ نَصيبِ شَريكِه، فلَزِمَ (26) أن يكونَ سابِقًا عليه. والأَوَّلُ أَوْلَى، لأنَّه أَمْكَنَ العمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ حَمْلُهُ عليه، كما لو وَكَّلَهُ فى إِعْتاقِ نَصيبِهِ مع نَصيبِهِ، فأعتَقَهما مَعًا. وإن قال: إذا اعتَقْتَ نَصِيبَكَ، فنصِيبى حُرٌّ، فقال أصحابُنا: إذا أَعْتَقَ نَصيبَهُ، سَرَى، وعَتَقَ كُلُّه عليه، وقُوِّمَ عليه، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سبَقَتْ، فمنَعَتْ عِتْقَ الشَّريكِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نصيبِهِ سَبَبٌ للسِّرايَةِ، وشَرْطٌ لعِتْقِ نصيبِ الشَّريكِ، فلم يَسْبِقْ أحدُهما الآخَرَ؛ لِوُجودِهِما فى حالٍ واحِدٍ. [وقد يُرَجَّحُ وقُوعُ](27) عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّه تَصَرُّفٌ منه فى مِلْكِهِ، والسِّرايَةُ تَقَعُ فى غَيْرِ المِلْكِ على خلافِ الأَصْلِ، [فكان نُفوذُ عِتْقِ الشَّريكِ أَوْلَى. ولأنَّ سرايَةَ العِتْقِ على خِلافِ الأَصْلِ](28)؛ لِكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاهُ، وإِلْزامًا للمُعْتِقِ غَرَامَةً لم يلتزِمْها بغَيْرِ اختيارِهِ، وإنَّما يثبُتُ لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذَا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ، كان أَوْلَى. وإِنْ قال: إذا أُعْتَقْتَ نصِيبَكَ، فَنَصيبِى حُرٌّ قَبْلَ [نَصِيبِك. فأعْتَقَ نَصِيبَه، عَتَقَا معًا عليهما. وكذلك إذا قال: إذا أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فنَصِيبِى حُرٌّ قبلَ](29) إِعْتاقِكَ نَصِيبَكَ. وقَعَا مَعًا، إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ. وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أبى بكرٍ، والقاضِى. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كُلُّه على المُعْتِقِ، وَلَا يَقَعَ إِعْتاقُ شَريكِهِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ (30) فى زَمَنٍ ماضٍ. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيْجٍ ومَنْ وافَقَه، ممَّن قال بسِرَايَةِ العِتْقِ، أَنْ لا يَصِحَّ إعْتاقُهُ؛ لأنَّهُ يَلْزَمُ من عِتْقِهِ نَصِيبَهُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الشَّريكِ وسِرَايتهِ، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِى إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجميعُ. وقد مضَى
(26) فى أ، ب، م:"فيلزم".
(27)
فى ب: "ووقوع".
(28)
سقط من: ب. نقل نظر.
(29)
سقط من: م. نقل نظر.
(30)
فى م: "أعتق".
الكلامُ على (30) هذا فى مَسائِلِ الطَّلاقِ (31). واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.
1949 -
مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الأَوَّلُ وَهُو مُعْسِرٌ، وأَعْتَقَهُ الثَّانِى وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ نصيبُهُ وَنَصِيبُ (1) شَرِيكِهِ، وَكَانَ ثُلُثُ وَلَاِئِهِ لِلْمُعْتِقِ الأَوَّلِ، وَثُلُثاهُ لِلْمُعْتِقِ الثَّانِى)
ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ المُعْسِرَ إذا أَعتَقَ نَصِيبَه من العَبْدِ، استَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِهِ، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ (2) الثَّانِى نَصيبَه، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ عليه جَميعُ ما بَقِىَ منه؛ نَصيبُهُ بالمُبَاشَرَةِ (3)، ونَصيبُ شريكِهِ الثَّالِثِ بالسِّرايَةِ، وصارَ له ثُلثا ولائِه، ولِلْأَوَّلِ ثُلثُه. وهذا قَوْلُ إسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداوُدَ، وابنِ جَرِيرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، علَى الوَجْهِ الذى بَمناهُ من قولِهما فيما مضَى. ورُوِىَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشترَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصْفُهُ، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُهُ؛ شَهْرَ عَبْدٍ، وشَهْر حُرٍّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ المُعْسِرَ إِذَا أَعْتَقَ نصيبَه، اسْتُسْعِىَ العَبْدُ فى قِيمَةِ حِصَّةِ الباقِينَ حتى يُؤَدِّيَهَا، فيَعْتِقَ. وهو قَوْلُ ابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، والأَوْزاعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لما رَوَى أبو هُريرَة قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا له فى (4) مَمْلُوكٍ، فعَلَيْهِ أن يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كانَ لَهُ مالٌ، وَإلَّا اسْتُسْعِىَ العَبْدُ، [غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ](5). مُتَّفَقٌ عليه، ورواه أبو داوُدَ (6). قال ابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَة: فإذا اسْتُسْعِىَ
(30) فى م: "فى".
(31)
تقدم فى: 10/ 535.
(1)
سقط من: الأصل.
(2)
فى م: "استحق".
(3)
فى م: "بالمياسرة".
(4)
فى ب: "من".
(5)
سقط من: ب.
(6)
أخرجه البخارى، فى: باب تقويم الأشياء بين الشركاء. . .، وباب الشركة فى الرقيق، من كتاب الشركة، وفى: باب إذا أعتق نصيبا فى عبد. . .، من كتاب العتق. صحيح البخارى 3/ 182، 185، 190. ومسلم، فى: باب ذكر سعاية العبد، كما كتاب العتق. صحيح مسلم 2/ 1141. وأبو داود، فى: باب من ذكر السعاية فى هذا الحديث، من كتاب العتاق. سنن أبى داود 2/ 349.=
فى نِصْفِ قِيمَتِهِ، ثُمَّ أيْسَرَ مُعْتِقُهُ، رَجَعَ عليه بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّهُ هو أَلْجَأَهُ إلى هذا، وكَلَّفَه إيَّاهُ. وعن أبى يوسف، ومحمدٍ، أنَّهما قالا: يَعْتِقُ جَميعُه، وتكُونُ قِيمَةُ نَصيبِ الشَّريكِ فى ذِمَّتِهِ؛ لأَنَّ العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ (7)، فإِذا وُجِدَ فى البَعْضِ سَرَى إلى جَميعِه، كالطَّلاقِ، ويَلْزَمُ المُعْتِقَ القِيمَةُ؛ لِأنَّه الْمُتْلِفُ لنَصيبِ صاحِبِهِ بإِعْتاقِه، فوَجَبَتْ قيمَتُه فى ذِمَّتِهِ، كما لو أتْلَفَهُ (8) بقَتْلِهِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْرِى العِتْقُ، وإِنَّما يُسْتَحَقُّ بِهِ إِعْتاقُ النَّصيبِ الباقِى، فيَتَخَيَّرُ شَريكُه بين إِعْتاقِ نَصيبِهِ، ويكونُ الوَلاءُ بينَهما، وبينَ أن يُسْتَسْعَى العبدُ فى قِيمَةِ نَصيبِهِ، فإِذا أَدَّاهُ إليه عَتَقَ، وَالوَلاءُ بَيْنَهما. ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عمرَ، وهو حَديثٌ صَحيحٌ ثابتٌ عندَ جَميع العُلَماءِ بالحَديثِ، ولأنَّ الاسْتِسْعاءَ إِعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالكِتابَةِ، ولِأَنّ فى الاسْتِسْعاءِ إضْرارًا بالشَّريكِ والعَبْدِ؛ أمَّا الشَّريكُ فإنَّا نُحيلُه على سِعايَةٍ لعلَّه لا يَحْصُلُ منها شىءٌ أصْلًا، وَإِنْ حَصَلَ فرُبَّما يَكونُ يَسيرًا مُتَفَرِّقًا، ويَفُوتُ عليه مِلْكُه، وأمَّا العَبْدُ، فإنَّا نُجْبرُهُ على سِعايَةٍ لم يُرِدْها، وكَسْبٍ لم يَخْتَرْهُ، وهذا ضَرَرٌ فى حَقِّهما، وقد قال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ" (9). قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: أليس إِنَّما أُلْزِمَ المُعْتِقُ ثَمَنَ ما بَقِىَ مِنَ العَبْدِ، لِئَلَّا يَدْخُلَ علَى شَريكِهِ ضَرَرٌ، فإِذا أمَرُوهُ (10) بالسَّعْىِ، وِإعْطائِه كُلَّ شهرٍ دِرْهَمَيْنِ، ولم يَقْدِرْ على تَمَلُّكِهِ، فأَىُّ ضَرَرٍ أَعْظَمُ مِنْ هذا! فَأَمَّا حَديثُ الاسْتِسْعَاءِ، فقال الأَثْرَمُ: ذَكَرَهُ سليمانُ بنُ حَرْبٍ، فطَعَنَ فيه، وضَعَّفَهُ. وقال أبو عبدِ اللَّه: ليس فى الاسْتِسْعاءِ يَثْبُتُ (11) عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم؛ حَديثُ أبى هُرَيْرَةَ يَرْويهِ ابنُ أبى عَرُوبَةَ (12). وأمَّا شُعْبَةُ، وهِشامٌ الدَّسْتُوائِىُّ. فلم يَذْكُراهُ (13). وحدَّثَ به مَعْمَرٌ، ولم يَذْكُرْ فيه السِّعايَةَ. قال أبو داوُدَ: وهَمَّامٌ أيضًا لا
= كما أخرجه ابن ماجه، فى: باب من أعتق شركا له فى عبد، من كتاب العتق. سنن ابن ماجه 2/ 844. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 255، 426، 472.
(7)
فى الأصل: "ينتقض".
(8)
فى الأصل: "أتلف".
(9)
فى م: "ضمار". وتقدم تخريجه، فى: 4/ 140.
(10)
فى ب، م:"أمره".
(11)
فى أ، ب، م:"ثبت". وما فى الأصل معناه: شىء يثبت.
(12)
فى أ، ب، م:"عروة".
(13)
فى الأصل، أ، ب:"يذكره".