الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأنَّ الكتابةَ مَوضعُ أمانةٍ. ويُسْتحَبُّ أن يكونَ فَقيهًا، ليَعرفَ مَواقعَ الألْفاظِ التى تتعلقُ بها الأحْكامُ، ويُفرِّقَ بينَ الجائزِ والواجبِ، وينْبَغِى أن يكونَ وافرَ العقلِ، وَرِعًا، نَزِهًا؛ لئلَّا يُسْتَمالَ بالطَّمعِ، ويكونَ مسلمًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} (1). ويُرْوَى أنَّ أبا موسى قدِمَ على عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، ومعه كاتبٌ نَصْرانِيٌّ، فأحْضرَ أبو موسى شيئًا من مَكْتوباتِه عندَ عمرَ، فاسْتحسنَه، وقال: قُلْ لكاتبِك يَجِىءُ، فيقْرَأُ كتابَه. قال: إنَّه لا يَدْخُلُ المسجدَ. قال: ولِمَ؟ . قال: إنَّه نَصْرانيٌّ. فانْتهرَه عمرُ، وقال: لا تَأتمِنُوهم وقد خَوَّنَهم اللهُ تعالى، ولا تُقرِّبوهم وقد أبعدَهم اللهُ تعالى، ولا تُعِزُّوهم وقد أذَلَّهم اللهُ تعالى (2). ولأنَّ الإِسلامَ مِن شُروطِ (3) العدالةِ، والعدالةُ شَرْطٌ. وقال أصْحابُ الشافعيِّ: في اشْترِاطِ عَدالتِه وإسلامِه وَجْهان؛ أحدهما، تُشْتَرَطُ؛ لما ذكرْنا. والثاني، لا تُشْتَرطُ؛ لأنَّ ما يكْتبُه لابُدَّ من وُقوفِ القاضى عليه، فتُؤْمَنُ الخيانةُ فيه. ويُسْتحَبُّ أن يكونَ جَيِّدَ الخَطِّ؛ لأنَّه أكْملُ. وأن يكونَ حُرًّا؛ ليخْرُجَ (4) من الخلافِ. وإن كان عبدًا، جازَ؛ لأنَّ شهادةَ العبدِ جائزةٌ. ويكونُ القاسِمُ على الصِّفةِ التى ذكرْنا في الكاتبِ، ولابُدَّ من كونِه حاسبًا؛ لأنَّه عَمَلُه، وبه يَقْسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتبِ والفقْهِ للحاكمِ. ويُسْتحَبُّ للحاكمِ أن يُجْلِسَ كاتبَه بين يديْه؛ ليُشاهِدَ ما يَكْتبُه، ويُشافهَه بما يُمْلِى عليه، وإن جلَس (5) ناحيةً، جازَ؛ لأنَّ المقْصودَ يحْصُلُ، فإنَّ ما يَكتبُه يُعْرَضُ على الحاكمِ، فيَسْتَبْرِئُه.
فصل:
وإذا ترافعَ (6) إلى الحاكمِ خَصمان، فأقرَّ أحدُهما لصاحبه، فقال المُقَرُّ له للحاكمِ: أشْهِدْ لى على إقْرارِه شاهِدَيْن. لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ الحاكمَ لا يحكمُ بعِلْمِه، فربَّما جحَدَ المُقِرُّ، فلا يُمْكنُه الحكمُ عليه بعِلْمِه (7)، ولو كانَ يحكمُ بعِلْمِه احْتَمَلَ أن يَنْسَى،
(1) سورة آل عمران 118.
(2)
تقدم تخريجه، في: 13/ 246.
(3)
في الأصل: "شرط".
(4)
في الأصل، م:"يخرج".
(5)
في ب، م:"قعد".
(6)
في ب: "رفع".
(7)
سقط من: ب.
فإنَّ الإِنسانَ عُرْضةُ النِّسيانِ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ بإقْرارِه. وإن ثبَتَ عندَه حقٌّ بنُكُولِ المُدَّعَى عليه، أو بيَمِينِ المُدَّعِى بعدَ النُّكولِ، فسألَه المُدَّعِى أن يُشْهِدَ على نفسِه، لزِمَه؛ لأنَّه لا حُجَّةَ للمُدَّعِى سِوَى الإِشْهادِ، وإن ثبتَتْ عندَه بَيِّنَةٌ فسألَه الإِشْهادَ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ بالحقِّ بَيِّنَةً، فلا يجبُ جَعْلُ بَيِّنَةٍ أُخْرَى. والثاني، يجِبُ؛ لأنَّ في الإِشْهادِ (8) فائدةً جديدةً، وهى إثْباتُ تَعْدِيلِ بيِّنَتِه، وإلزامُ خَصْمِه. وإن حلفَ المُنْكِرُ، وسألَ الحاكمَ الإِشهادَ على بَراءَتِه، لَزِمَه؛ ليكونَ حُجَّةً له في سُقوطِ المُطالَبةِ مَرَّةً أُخْرَى، وفي جميعِ ذلك، إذا سألَه أنْ يَكْتُبَ له مَحْضرًا بما جَرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه ذلك؛ لأنَّه وَثِيقةٌ له، فهو كالإِشْهادِ؛ لأنَّ الشاهِدَيْنِ رُبَّما نَسِيَا الشَّهادةَ، أو نَسِيَا الخَصْمَينِ، فلا يُذَكِّرُهما إلَّا رُؤْيَةُ (9) خَطَّيْهِما. والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الإِشْهادَ يَكْفِيه. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الشُّهودَ تكثرُ عليهم (10) الشَّهاداتُ، ويَطُولُ عليهمُ الأمَدُ، والظَّاهرُ أنَّهما لا يَتحقَّقان الشَّهادةَ تَحقُّقًا يحْصُلُ به أداؤُها، فلا يتَقيَّدُ إلَّا بالكتابِ. فإن اخْتارَ أن يَكْتُبَ له مَحْضرًا، فصفتُه: حضرَ القاضى فُلانُ بنُ فلانٍ الفُلانيُّ، قاضى عبدِ اللهِ الإِمامِ فلانٍ، على كذا وكذا. وإن كان خليفةَ القاضى قال: خليفةُ القاضى فلانِ بنِ فلانٍ الفُلانيِّ (11)، قاضى الإِمامِ بمَجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه. فإن كان يَعْرِفُ المُدَّعِى والمُدَّعَى عليه بأسْمائهما وأنْسابِهما، قال: فلانُ بنُ فلانٍ الفلانيُّ، وأحْضَرَ معه فلانَ بنَ فلانٍ الفُلانيَّ. ويرْفَعُ في نَسَبِهما حتى يَتميَّزَا (12). ويُسْتحَبُّ ذِكْرُ حِلْيَتِهما، وإن أخَلَّ به، جازَ؛ لأنَّ ذِكْرَ نَسَبِهما إذا رَفعَ فيه أغْنَى عن ذِكْرِ الحِلْيَةِ. وإن كان الحاكمُ لا يعْرِفُ الخَصْمَيْن، قال: مُدَّعٍ ذكَرَ أنَّه فلانُ بنُ فلانٍ الفُلانيُّ، وأحضرَ معه مُدَّعًى عليه ذكرَ أنَّه فلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانيُّ. ويَرْفَعُ في نَسَبِهما، ويذْكرُ حِلْيتَهما؛ لأنَّ الاعْتمادَ عليها، فربَّما اسْتعارَ النَّسَبَ. ويقول: أغَمُّ، أو أنْزَعُ. ويذْكرُ صِفةَ العَيْنيْن والأنْفِ والْفَمِ والحاجِبَيْنِ، واللونَ والطولَ والقِصرَ. ما ادَّعَى عليه كذا وكذا، فأقرَّ له. ولا
(8) في الأصل: "الشهادة".
(9)
في ب، م:"ذوى".
(10)
في م: "عليهما".
(11)
في ب، م زيادة:"عبد اللَّه".
(12)
في م: "يتميز".
يَحْتاجُ أن يقول: بمَجْلسِ حُكْمِه. لأن الإِقْرارَ يَصِحُّ في غيرِ مَجْلسِ الحُكْمِ. وإن كتبَ أنَّه شهِدَ على إقْرارِه شاهِدان، كان أوْكَد. ويكتبُ الحاكمُ على رأسِ المَحْضَرِ: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين. أو ما أحَبَّ مِن ذلك. فأمَّا إن أنْكَرَ المُدَّعَى عليه، وشَهِدتْ عليه بَيِّنَةٌ، قال: فادَّعَى عليه كذا وكذا، فأنْكرَ، فسألَ الحاكمُ المدَّعِى: ألَكَ بَيِّنَةٌ؟ فأحْضَرَها، وسألَ الحاكمُ سماعَها ففَعل، وسألَه أن يكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، فأجابَه إليه، وذلك في وقتِ كذا. ويحْتاجُ هاهُنا أن يَذْكُرَ: بمَجْلسِ حُكْمِه وقضائِه. بخلافِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ الْبَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ إلَّا في مجلسِ الحُكْمِ، والإِقْرارُ بخلافِه. ويكتبُ الحاكمُ في آخرِ المَحْضَرِ: شهِدَا عندِى بذلك. فإن كان مع المُدَّعِى كتابٌ فيه خَطُّ الشَّاهدِ كتبَ تحتَ (13) خطوطِهما أو تحت خَطِّ كلِّ واحدٍ منهما: شهِدَ عندِى بذلك. ويَكْتبُ علامتَه في رأسِ المَحْضَرِ، وإن اقْتصَرَ على ذلك دُونَ المَحْضَرِ، جازَ. فأمَّا إن لم تكُنْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، فاسْتَحْلَف المُنكِرَ، ثم سألَ المُنْكِرُ الحاكمَ مَخْضَرًا لِئلَّا يحْلِفَ في ذلك ثانيًا، كتبَ له مِثلَ ما تقدَّمَ، إلَّا أنَّه يقولُ: فأنْكَرَ، فسألَ الحاكمُ المدَّعِى: ألكَ بيِّنةٌ؟ فلم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فقال: لَكَ يَمينُه. فسألَه أن يَسْتَحْلِفَه، فاسْتحْلَفَه في مجلسِ حُكْمِه وقَضائِه، في وقتِ كذا وكذا. ولابُدَّ مِن ذِكْرِ تحْلِيفِه؛ لأنَّ الاسْتِحلافَ لا يكونُ إلَّا في مجلسِ الحكمِ، ويُعْلَمُ في أوَّلِه خاصَّةً. وإن نكَلَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ، قال: فعُرِضَ اليَمِينُ على المدَّعَى عليه، فنَكَلَ عنها، فسألَ خَصْمُه الحاكمَ أن يَقْضِىَ عليه بالحقِّ، فقَضَى عليه في وقتِ كذا. ويُعْلِمُ في آخرِه، ويذْكُرُ أنَّ ذلك في مجلسِ حُكمِه وقَضائِه. فهذه صِفَةُ المَحْضَرِ. فأمَّا إن سألَ صاحبُ الحقِّ الحاكمَ أن جكُمَ له بما ثبَتَ في المَحْضَرِ، لَزِمَه أن يَحْكُمَ له به، ويُنْفِذَه، فيقولَ: حَكَمْتُ له به، ألْزَمْتُه الحقَّ، أنْفَذْتُ الحكمَ به. فإن طالَبه (14) أن يشْهدَ له على حُكمِه، لَزِمَه ذلك، لتَحْصُلَ له الوَثِيقةُ به. فإن طالَبَه أن يُسَجِّلَ له به، وهو أن يَكْتُبَ في المَحْضَرِ ويَشْهَدَ على إنْفاذِه، سَجَّلَ له. وفى وُجوبِ ذلك، الوَجْهان المذكوران في الْمَحْضَرِ. وهذه صورةُ السِّجِلِّ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أشْهَدَ عليه
(13) سقط من: م.
(14)
في م: "طلبه".