الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ نَقْضُ حُكمِه فيما لا يُنْقَضُ به حُكمُ مَن له وِلايةٌ. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: للحاكمِ نَقْضُه إذا خالفَ رأيَه؛ لأنَّ هذا عَقْدٌ فى حقِّ الحاكمِ، فملَكَ فسْخَه، كالعَقدِ الموْقوفِ فى حَقِّه. ولَنا، أنَّ هذا حُكْمٌ صحيحٌ لازِمٌ، فلم يَجُزْ فَسْخُه لمُخالَفتِه (50) رأيَه، كحُكمِ مَن له وِلايةٌ، وما ذكَرُوه غيرُ صحيحٍ، فإنَّ حُكْمَه لازِمٌ للخَصْمينِ، فكيف يكونُ مَوْقوفًا؟ ولو كان كذلك، لمَلَكَ فَسْخَه وإنْ لم يُخالِفْ رأيَه، ولا نسلِّمُ الوقوفَ فى الْعقودِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ لكلِّ واحدٍ من الخَصْمين الرُّجوعَ عن تَحْكيمِه قبلَ شُروعِه فى الحُكمِ؛ لأنَّه لا يثْبُتُ إلَّا برِضَاه، فأشْبَهَ ما لو رجعَ عنِ التَّوكيلِ قبلَ التَّصرُّفِ. وإن رجعَ بعدَ شُروعِه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّ الحُكمَ لم يَتِمَّ، أشْبَهَ قبلَ الشُّروعِ. والثانى، ليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رأَى من الحُكمِ ما لا يوافقُه، رَجعَ، فيَبْطُلُ (51) المقصودُ به.
فصل:
قال القاضى: وينْفُذُ حكمُ مَن حكَّماه فى جميعِ الأحكامِ إلَّا أربعةَ أشياءَ؛ النِّكاح، واللِّعانَ، والقَذْفَ، والقِصاصَ؛ لأنَّ لهذه الأحْكامِ مَزِيَّةً على غيرِها، فاخْتَصَّ الإِمامُ بالنَّظرِ فيها، ونائبُه يَقومُ مَقامَه. وقال أبو الخَطَّاب: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يَنفُذُ حكمُه فيها. ولأصحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان، كهذَيْن. وإذا كتبَ هذا القاضى بما حَكمَ به كِتابًا إلى قاضٍ من قُضاةِ المسلمين، لزِمَه قَبولُه، وتَنْفِيذُ كتابِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافِذُ الأحْكامِ، فلَزِمَ قَبولُ كتابِه، كحاكمِ الإِمامِ.
1878 - مسألة؛ قال: (وَيَحْكُمُ عَلَى الغائِبِ، إِذَا صَحَّ الحَقُّ عَلَيْه)
وجملتُه أنَّ مَن ادَّعَى حقًّا على غائبٍ فى بلدٍ آخرَ، وطلبَ من الحاكمِ سماعَ البَيِّنةِ، والحُكمَ بها عليه، فعلى الحاكمِ إجابتُه، إذا كَمَلَتِ الشَّرائطُ. وبهذا قال شُبْرُمَةُ، ومالِكٌ، والأوْزاعىُّ، واللَّيْثُ، وسَوَّارٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وكان
(50) فى الأصل: "لمخالفة".
(51)
فى م: "فبطل".
شُرَيْحٌ لا يرَى القضاءَ على الغائبِ. وعن أحمدَ مِثْلُه. وبه قال ابنُ أبي ليلَى، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ورُويَ ذلك عن القاسمِ، والشَّعْبِيِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا كان له خَصْمٌ حاضِرٌ، مِن وَكيلٍ (1) أو شَفِيعٍ، جاز الحُكمُ عليه. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال لعليٍّ:"إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلأوَّلِ حتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَإنَّكَ تَدْرِى بِمَا تَقْضِي". قال التِّرْمِذِىُّ (2): هذا حديثٌ حسنٌ (3). ولأنه قَضاءٌ لأحدِ الخَصْمين وحْدَه، فلم يجُزْ، كما لو كان الآخَرُ فى البلدِ، ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ للغائبِ ما يُبْطِلُ البَيِّنةَ، ويَقْدَحُ فيها، فلم يجُزِ الحُكمُ عليه. ولَنا، أنَ هِنْدًا قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعطِينِى ما يَكْفِينِى ووَلَدِى؟ قال:"خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". مُتَّفقٌ عليه (4)، فقَضَى عليه (5) لها، ولم يكُنْ حاضِرًا، ولأنَّ هذا له بَيِّنةٌ مَسْمُوعةٌ عادِلةٌ، فجاز الحُكْمُ بها. كما لو كان الخَصْمُ حاضِرًا، وقد وَافَقَنا أبو حنيفةَ فى سَماعِ البَيِّنةِ، ولأنَّ ما تأخَّرَ عن سُؤالِ المدَّعِى إذا كان حاضرًا، يُقدَّمُ عليه إذا كانَ غائبًا، كسَماعِ البَيِّنَةِ. وأمَّا حديثُهم، فنقولُ به إذا تَقاضَى إليه رجلان، لم يجُزِ الحُكمُ قبلَ سماعِ كلامِهما، وهذا يَقْتضِي أن يكونا حاضِرَيْن، ويُفارِقُ الحاضِرُ الغائبَ، فإنَّ البَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ على حاضرٍ إلَّا بحَضْرتِه، والغائبُ بخلافِه. وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصلَه، فقال: إذا جاءتِ امرأةٌ فادَّعَتْ أن لها زوجًا غائبًا، وله مالٌ فى يدِ رجلٍ، وتحْتاجُ إلى النَّفقةِ، فاعْتَرفَ لها بذلك، فإنَّ الحاكمَ يقْضِى عليه بالنَّفَقةِ، ولو ادَّعَى رجلٌ على حاضرٍ، أنَّه اشْترَى مِن غائبٍ ما فيه شُفعةٌ، وأقامَ بَيِّنَةً بذلك، حَكَمَ له بالبَيْعِ والأخْذِ بالشُّفْعةِ، ولو مات المُدَّعَى عليه، فحضرَ بعضُ وَرَثتِه، أو حضرَ وكيلُ الغائبِ، وأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً بذلك، حَكَمَ له بما ادَّعاه. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه إنْ قَدِمَ الغائبُ
(1) فى الأصل: "وكيله".
(2)
فى: باب ما جاء فى القاضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما، من أبواب الأحكام. عارضة الأحوذى 6/ 72.
كما أخرجه الإمام أحمد، فى: المسند 1/ 143، 150. والبيهقي، فى: باب ما يقول القاضي إذا جلس الخصمان بين يديه، من كتاب آداب القاضي. السنن الكبرى 10/ 137.
(3)
فى الأصل، م زيادة:"صحيح". وليس فى الترمذي.
(4)
تقدم تخريجه، فى: 11/ 348.
(5)
سقط من: م.