الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما يعرف به الحديث الموضوع:
ذكر العلاقة ابن القيم
(1)
: أن من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وله اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث يصير كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز مالا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، ومالا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم
(2)
.
وقال السراج البلقيني: إن لأئمة الحديث ملكة يعرفون بها الموضوع وشاهده إن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فجاء إنسان وادعى أنه يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال إنه يكرهه
(3)
.
(1)
هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الأصولي المفسر النحوي العارت شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية، قال ابن رجب: لم أشاهد مثله، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرت بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه.
له: تهذيب سنن أبي داود، زاد المعاد، جلاء الأفهام، إعلام الموقعين، بدائع الفوائد، وغيرها، توفى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 447 - 452.
(2)
المنار المنيف ص 44 بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة.
(3)
محاسن الاصطلاح ص 215.
وعلى ضوء تلك المعرفة من الأئمة النقاد مع خشيتهم من التباس الأمر على من يأتي بعدهم هبوا لوضع علامات يعرف بها الموضوع، ويميز بها بين الصحيح وغيره، منها:
1 -
إقرار واضعه
(1)
، بأن يقر الواضع أنه وضع الحديث بعينه، كإقرار عمر بن صبح
(2)
بأنه وضع خطبة نسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكإقرار ميسرة بن عبد ربه الفارسي
(3)
، بأنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، ووضع أحاديث في فضائل علي رضي الله عنه.
لكن قال ابن دقيق العيد: وهذا - يعني: إقرار الواضع - كشاف في تركه، لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعا لجواز أن يكون (كاذبا) في هذا الإقرار
(4)
. قال ابن حجر: وقد فهم منه - أي: من كلام ابن دقيق العيد - بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم، لأن الحكم يقع بالظن
(1)
مقدمة ابن الصلاح ص 89، التقييد والإيضاح ص 131.
(2)
هو: عمر بن صبح بن عمران التميمي العدوي أبو نعيم الخراساني السمرقندي، قال إسحاق ابن راهويه: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظير في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن الصبح، ومقاتل بن سليمان.
انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر 7/ 463 - 464.
(3)
هو: ميسرة بن عبد ربه الفارسي التراس الأكال، قال البخاري: يرمى بالكذب، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الإثبات، ويضع الحديث.
انظر: التاريخ الكبير للبخاري 4/ 1/ 377، والصغير له 2/ 171، ميزان الاعتدال للذهبي 4/ 230 - 232.
(4)
الاقتراح لابن دقيق العيد الورقة 11 من مخطوطة برلين.
الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به
(1)
.
2 -
ما يتنزل منزلة إقراره
(2)
، كأن يحدث بحديث عن شيخ، ثم يسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع
(3)
.
3 -
ما يؤخذ من حال الراوي بحيث تقوم قرينة من حاله تدل على أن ذلك المروي موضوع، ومن أمثلته: ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي
(4)
أنه قال: كنا عند سعد بن طريف
(5)
، فجاءه ابنه يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة
(6)
عن ابن عباس مرفوعًا: "معلموا صبيانكم
(1)
شرح نخبة الفكر ص 78.
(2)
مقدمة ابن الصلاح ص 131 مع التقييد والإيضاح.
(3)
انظر الكفاية ص 192 - 193، التقييد والإيضاح ص 132.
(4)
هو: سيف بن عمر التميمي صاحب كتاب "الردة"، ويقال له: الضبي الكوفي، ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه، من الثامنة.
انظر: المجروحين 1/ 345 - 346، تقريب التهذيب 1/ 344.
(5)
هو: سعد بن طريف الإسكاف الكوفي، قال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء.
انظر: الضعفاء للبخاري ص 54، وللنسائي ص 54، والتاريخ لابن معين 3/ 421، 453.
(6)
هو: عكرمة البربري مولى ابن عباس أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، مات سنة خمس ومائة.
انظر: الخلاصة 2/ 240.
شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المساكين"
(1)
. وسعد ابن طريف -هذا- قال فيه ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور
(2)
.
4 -
ما يؤخذ من حال المروي، له عدة وجوه، منها: -
أ - ركاكة معنى الحديث، سواء انضم إليها ركاكة لفظه أم لا، أما ركة اللفظ وحدها، فلا تكفي دليلا على الوضع عند جمهور المحدثين الذين جوزوا الرواية بالمعنى
(3)
، لاحتمال أن يكون الراوي قد غير اللفظ النبوي من عنده، فلم يوفق إلى أسلوب أو عبارة جيدة، نعم لو ادعى أن هذا اللفظ الركيك هو لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلا على أنه كاذب لما تواتر من أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذروة الفصاحة والبلاغة.
ومثال الركة في المعنى: "أربع لا تشبع من أربع: إنثى من ذكر،
(1)
المدخل في أصول الحديث للحاكم ص 101 مع المجموعة الكمالية رقم (2)، والمجروحين لابن حبان 1/ 66.
(2)
المجروحين لابن حبان 1/ 357.
(3)
الرواية بالمعنى: هي ذكر الحديث بمعناه من غير التزام للفظه، ولا خلاف بين العلماء أن الشخص إذا لم يكن عالما عارفا بالألفاظ ومقاصدها خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها، أنه لا يجوز له أن يروي الحديث إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير.
وأما إذا كان عالما عارفا بذلك، فقد اختلف فيه السلف وأصحاب الحديث، وأرباب الفقه والأصول، والأصح جوازه، لما تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، فكثيرا ما ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص 190 - 191، فواتح الرحموت 2/ 167، توجيه النظر ص 298 - 312، قواعد التحديث ص 221 - 225.
وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر"
(1)
.
ب - كون الحديث مناقضا لما جاء به القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة الصريحة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء
(2)
.
ومثاله ما يروى: " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به"
(3)
.
فهو من وضع المشركين عباد الأوثان
(4)
، وهو مخالف لكل آيات التوحيد في القرآن.
ج - مخالفة الحديث لصريح العقل، وفي هذا يقول ابن الجوزي: كل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره
(5)
.
ومثاله: ما روي أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين
(6)
.
د - مخالفة الحديث للحس والمشاهدة، ولحقائق التاريخ.
من ذلك ما روي عن أنس أنه قال: "دخلت الحمام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وعليه مئزر". وهذا منقوض تاريخيا، لأن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم
(1)
المنار المنيف لابن القيم ص 99 - 100.
(2)
المصدر السابق ص 56 - 57.
(3)
الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للملا علي القاري ص 288.
(4)
المنار المنيف لابن القيم ص 139.
(5)
الموضوعات لابن الجوزي 1/ 106.
(6)
اللآلئ المصنوعة للسيوطي 2/ 278.
يدخل حماما قط، إذ أن الحمامات لم تكن معروفة في الحجاز في عصره عليه الصلاة والسلام
(1)
، مما يدل على أن الكلام موضوع على لسان أنس.
هـ - كون المروي خبرا عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله، ثم لا يرويه إلا واحد، فإن انفراد هذا الواحد برواية هذا الحديث مع جسامة موضوعه، وعظيم شأنه، دليل على أن هذا الواحد مختلق كذاب.
ومن أمثلته: "أن الشمس ردت لعلي رضي الله عنه بعد العصر والناس يشاهدونها". ولا يشتهر هذا الحدث أعظم اشتهار، ولا يعرفه إلا أسماء بنت عميس
(2)
.
ويمثل له الأصوليون بقتل الخطيب على المنبر، ولا ينقله إلا واحد من الحاضرين
(3)
.
و - أن يكون المروي قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الهين اليسير.
ومثاله: ما يروى: "من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفا".
أو يتضمن الإفراط بالوعد العظيم على الفعل القليل.
(1)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 21/ 301، والمصنوع لمعرفة الحديث الموضوع للقاري ص 70.
(2)
انظر: الموضوعات 1/ 355 - 357، ومنهاج السنة 4/ 185 - 195، البداية والنهاية 1/ 323، المنار المنيف ص 57 - 58، تنزيه الشريعة 1/ 379 - 380.
(3)
توضيح الأفكار للصنعاني 2/ 96.
ومثاله: "من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا"
(1)
. قال ابن القيم: وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط ثواب نبي واحد
(2)
.
ز - عدم وجود الحديث في بطون الأسفار بعد تدوين السنن، إذا فتشت ولم يظفر به فيها، فإنه يعلم كذبه لعلمنا أن الأخبار قد دونت، ذكره أبو الحسين البصري
(3)
، ونقله الصنعاني
(4)
عن الفخر الرازي
(5)
،
(1)
و
(2)
المنار المنيف ص 50.
(3)
انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري 2/ 549.
(4)
هو: الأمير محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي الكحلاني ثم الصنعاني الإمام الكبير المجتهد المطلق.
من مؤلفاته: سبل السلام شرح بلوغ المرام، تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، العدة حاشية على شرح العمدة، وغيرها، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف.
انظر: البدر الطالع للشوكاني 2/ 133 - 139، عنوان المجد لابن بشر 1/ 67 - 71.
(5)
هو: فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي، الشافعي الأشعري، قال الصفدي: اجتمع له خمسة أشياء لم تجتمع لغيره، وهي: سعة العبارة، وصحة الذهن، والاطلاع الذي ما عليه مزيد، والحافظة المستوعبة، والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تفرير الأدلة والبراهين.
له: التفسير الكبير، نهاية العقول، الأربعين، المحصول في أصول الفقه، وغيرها، توفي سنة ست وستمائة.
انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص 462 - 470، الوافي بالوفيات 4/ 248 - 259.