الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن شدة تحري الإمام البخاري الدقة في هذا المجال وخوفه من نسبة ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وسلم إليه نجده يسوق بعض الأحاديث الصحيحة مصدرة بصيغة التضعيف.
ومثال ذلك: قوله: ويذكر عن عبد الله بن السائب
(1)
: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون) في الصبح حتى إِذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع"
(2)
.
وهو حديث صحيح وصله مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه
(3)
.
فينبغي على طالب العلم الاقتداء بهؤلاء الأئمة في دقة التعبير والخوف من القول على الله ورسوله بغير علم، والله المستعان.
تزييف ورع الموسوسين في المتفق على ضعفه:
ليس من الورع اجتناب بعض الأفعال أو المأكولات أو غيرها خشية أن تكون محرمة أو مكروهة لمجرد ورود حديث متفق على ضعفه فيها، فإن هذا ليس من الورع أبدا، إنما هو وسواس مذموم قد يفضي بصاحبه إلى التزمت والتضييق على نفسه ومشادة الدين الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسر،
(1)
هو: عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد القرشي المخزومي القارئ المكي، توفي قبل إمارة ابن الزبير بيسير، وصلى عليه ابن عباس، له رؤية وصحبة كأبيه.
انظر: تجريد أسماء الصحابة للذهبي 1/ 313، الإصابة لابن حجر 4/ 102 - 103.
(2)
البخاري 2/ 255 مع الفتح.
(3)
صحيح مسلم 4/ 177 مع النووي، سنن أبي داود رقم 649، النسائي 2/ 137، ابن ماجه رقم 820.
ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه
(1)
.
ومثال ذلك: ترك الطيبات من الأطعمة لورود حديث: "احرموا أنفسكم طيب الطعام، فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق به". وهو حديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات
(2)
، ولو لم يكن فيه إلا مخالفة قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
(3)
. لكان كافيا في رده.
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: (باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات)
(4)
.
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: غرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين، كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان، ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حوام، وليس هناك علامة تدل على الثاني، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به، ويكون دليل إباحته قويا، وتأويله ممتنع أو مستبعد
(5)
.
وقد قسم الغزالي الورع إلى أقسام:
(1)
رواه البخاري 1/ 93 مع الفتح، النسائي 8/ 106.
(2)
انظر: الموضوعات لابن الجوزي 3/ 30، وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتهم به بزيع، قال أحمد: أحاديثه مناكير لا يتابعه عليها أحد، وقال الدارقطني: هو متروك وانظر: اللآلئ المصنوعة 2/ 247، تنزيه الشريعة 2/ 240.
(3)
الآية 172 من سورة البقرة.
(4)
صحيح البخاري 4/ 294 مع الفتح.
(5)
فتح الباري 4/ 295.
1 -
ورع الصديقين: وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة.
2 -
ورع المتقين: وهو ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام.
3 -
ورع الصالحين: وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين
(1)
.
(1)
انظر: إحياء علوم الدين 2/ 96 - 99.