الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟ أو العجوة وهل فيها ترياق؟ نعم. إنهم رووا أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاث أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن في قارورة، وكحلت به جارية لي عمشاء فبرأت، ولكن هذا لا يكفي لصحة الحكم، فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيا لإِثبات الشيء في ثبت الأدوية، إنما الطريقة أن تجرب مرارا، وخير من ذلك أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا، فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو ضعفه .. الخ
(1)
.
تفنيد هذه الافتراءات:
هذه الافتراءات لا تتعدى الإِفك المحض، ولا ترتقي حتى إلى حد الشبهة، فلا تستحق التفنيد والرد، ولو كان الجدال مع الكافر العنيد غاستون ويت لم يتعرض أحد من علماء المسلمين إلى الرد عليه، لولا أن بعض الكتاب المعاصرين المنتسبين إلى الإسلام قاموا بترديد هذا الزعم وإلباسه زورا وبهتانا لباس البحث العلمي والموضوعية، ولولا خشية وقوع كثير من شبابنا في شراك هذا الزعم الذي يثير الشبه عندهم حول صيانة السنة النبوية وعناية المحدثين بها، لما أقدم أحد من العلماء على الرد على هذه المزاعم
(2)
.
(1)
انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين 2/ 130 - 131.
(2)
تصدى للرد عليها كل من: الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه القيم "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين"، والدكتور محمود الطحان في مقال له نشر في العدد الأول من مجلة كلية أصول الدين بعنوان "عناية المحدثين بمتن الحديث كعنايهم بإسناده"، وغيرهم.
وإليك الرد موجزا:
أولًا: أما قولهم: إن المحدثين اهتموا بدراسة السند، ولم يلتفتوا إلى المتن، فمجرد إفك لا حقيقة له، وقد قدمت قريبا ما يدحض هذا الافتراء
(1)
.
ثانيًا: وأما زعم المستشرق بأن الراوي قد يضيف شيئا عن حسن نية في أثناء روايته، مما يجعلنا لا نتأكد من وصول الحديث إلينا كما هو عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأوهى من بيت العنكبوت، فلم يقصر العلماء ولم يألوا جهدا في بيان هذا النوع وإيضاحه، وهو ما يسمى بالمدرج في متن الحديث، وصنفوا فيه المصنفات
(2)
.
ثالثًا: وأما القواعد التي وضعها أحمد أمين للمحدثين لنقد متن الحديث، فأقول: إنه قد سبق إليها وطبقت فعلا، وقد سبقت الإِشارة إليها مع التمثيل
(3)
.
رابعًا: وأما التمثيل لعدم نقد الأحاديث عبر متونها بأحاديث يسميها بعض العلماء بالأحاديث المشكلة، فنعم، هذه الأحاديث وأمثالها قد أشكل فهمها على بعض العلماء، لكنها لم تشكل على جهابذة النقاد وفطاحلة المحدثين الذين تولوا الإِجابة عنها، وألفوا في أمثالها المؤلفات الكثيرة، منها:
1 -
اختلاف الحديث للإِمام الشافعي.
(1)
انظر: ص 229، 230 من هذه الرسالة، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي ص 263 - 264.
(2)
سوف أذكر شيئا منها في آخر هذا الباب عند ذكر الكتب المصنفة في أنواع خاصة من الضعيف.
(3)
انظر: ص 140، 145 من هذه الرسالة.
2 -
تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة
(1)
.
3 -
مشكل الآثار للطحاوي
(2)
.
ووضعوا لذلك الضوابط والقواعد لمعرفة التوفيق بين تلك النصوص وكيفية فهمها وتطبيقها، لا سيما المتعارض منها.
وبيان ذلك أن الحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طرح الحديث الضعيف وحكم عليه بالإِنكار كما تقدم
(3)
.
وأما إذا عارضه حديث من رواية الثقات، فإننا ننظر في طبيعة النصين وفي مدلوليهما، فإن وجد وجه للتوفيق والجمع بينهما عمل به، وتبين زوال التعارض، وإنه نشأ عن قلة التمعن.
وكذلك إذا دل البحث على أن أحد النصين جاء بعد الآخر وحل محله، فلا تعارض هنا، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم المتأخر، أما إذا لم يظهر هذا ولا ذاك، فإننا نأخذ بالراجح والأقوى، ويكون هو الصحيح ويسمى أيضا المحفوظ، ويكون المرجوح شاذا أو معلا وهو
(1)
هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الكاتب المروزي، وقيل: الدينورى، كان عالما ثقة دينا فاضلا.
له: غريب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، وغيرها، توفي سنة ست وسبعين ومائتين.
انظر: المنتظم 5/ 102، تاريخ بغداد 10/ 170 - 171.
(2)
هو: أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي الأزدي، إمام جليل القدر، مشهور في الآفاق ذكره الجميل، صاحب المصنفات، منها: أحكام القرآن، معاني الآثار، مشكل الآثار، وغيرها، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
انظر: الفوائد البهية ص 31 - 34.
(3)
انظر: ص 189، 190 من هذه الرسالة.