الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسند
(1)
.
وأما مراسيل غير الصحابة:
فقد اختلف العلماء فيها، هل يحتج بها كمراسيل الصحابة أو لا؟ على أقوال:- القول الأول: ذهب الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد -في رواية عنه- إلى أن الحديث المرسل صحيح يحتج به في الدين
(2)
، واختاره الآمدى
(3)
في أحكامه
(4)
، ونسبه الغزالي
(5)
إلى الجماهير
(6)
، بل نقل ابن عبد البر عن الطبري
(7)
: أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأت
(1)
علوم الحديث لابن الصلاح ص 50 - 51.
(2)
انظر: فواتح الرحموت 2/ 174، مسودة آل تيمية ص 50، عارضة الأحوذي 1/ 13، 2/ 50، 237.
(3)
هو: سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد التغلبي الآمدي، أوحد الفضلاء، كان أذكى أهل زمانه، فصيح الكلام، جيد التصنيف.
له: دقائق الحقائق، غاية المرام في علم الكلام، منتهى السول، وغيرها، توفي منة إحدى وثلاثين وستمائة.
انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص 650 - 651، الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي 2/ 57 - 58.
(4)
انظر: الأحكام للآمدي 2/ 123، منتهي السول له 1/ 90.
(5)
هو أبو حامد محمد بن الغزالي حجة الإسلام، زين الدين الطوسي، الفقيه الشافعي.
صنف: البسيط، الوسيط، الوجيز في الفقه، المستصفى في أصول الفقه، إحياء علوم الدين وغيرها، توفي سنة خمس وخمسمائة.
انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان 4/ 216 - 219.
(6)
انظر: المستصفى للغزالي ص 195.
(7)
هو: محمد بن جرير بن يزيد الإمام أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام، صاحب التفسير=
عنهم إنكاره، ولاعن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين
(1)
.
وغالى بعض القائلين بهذا القول حتى قدموا المرسل على المسند
(2)
.
وقد احتج القرافي
(3)
لهذا الرأي قائلا: إن سكوت الراوي مع عدالته عن ذكر من روي عنه وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام يقتضي الجزم بعدالة المسكوت عنه، فسكوته كإخباره بعدالته، والساكت لو زكى المسكوت عنه عندنا قبلنا تزكيته، وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه
(4)
.
واحتج له أيضا بأن الغالب على أهل تلك القرون الصدق والعدالة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بقوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
…
" الحديث
(5)
. قالوا: وإذا لم نطلع على يجرح الراوي،
= والتاريخ، وغيرهما، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، توفي سنة عشر وثلاثمائة.
انظر: غاية النهاية في طبقات القراء 2/ 106 - 108.
(1)
التمهيد لابن عبد البر 1/ 4 ويقصد بذلك عدم المخالف حتى مجيء الإمام الشافعي./ انظر: قواعد في علوم الحديث ص 140 - 141.
(2)
انظر: التمهيد 1/ 3، شرح تنقيح الفصول ص 380، المنخول للغزالي ص 273.
(3)
هو: شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي الأصل، المعروف بالقرافي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الأصولي.
له: شرح الحصول، التنقيح وشرحه، الفروق، الذخيرة، وغيرها.
توفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة.
انظر: المنهل الصافي لابن تغرى بردى 1/ 215 - 217.
(4)
شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 379.
(5)
رواه البخاري 5/ 258 مع الفتح، ومسلم 16/ 87 - 89 مع النووي، وأبو داود رقم 4657، والترمذي رقم 2223، والنسائي 7/ 17 - 18.
فالظاهر أنه عدل مقبول الحديث
(1)
.
القول الثاني: وذهب جماهير المحدثين، وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول إلى أن الحديث المرسل ضعيف، لا يحتج به
(2)
، وحكاه الحاكم
(3)
عن سعيد بن المسيب
(4)
، والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي
(5)
، وأحمد بن حنبل، ومن بعدهم من فقهاء المدينة
(6)
.
وهو ما أقره الإمام مسلم في صدر صحيحه حيث يقول: والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة
(7)
.
(1)
للمزيد من الأدلة انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص 555، وجامع التحصيل في أحكام المراصيل للعلائي ص 68 - 69، 75 - 79.
(2)
انظر: المجموع شرح المهذب 1/ 60.
(3)
هو: الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف.
له: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث، تاريخ نيسابور، وغيرها. توفي سنة خمس وأربعمائة.
انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي 3/ 1039 - 1045.
(4)
هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد التسعين.
انظر: تقريب التهذيب 1/ 305 - 306.
(5)
الصحيح عنه: ما سيأتي نقله من كتابه "الرسالة".
(6)
المدخل في أصول الحديث ص 92 مع المجموعة الكمالية رقم 2.
(7)
مقدمة صحيح مسلم 1/ 132 بشرح النووي.
ونقل ابن أبي حاتم
(1)
عن أبيه
(2)
وأبي زرعة
(3)
، قولهما: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة
(4)
.
ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى سائر الفقهاء، وجميع الحدثين
(5)
.
والعلة في رد المرسل، هو الجهل الناشئ عن إسقاط الراوي، لأنه يحتمل أن يكون الذي سقط من السندغير صحابي بأن يكون تابعيا، وإذا كان كذلك، فيحتمل أن يكون ضعيفا، وإن كان المرسل لا يروى إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الأبهام غير كاف
(6)
. وإذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى، لأن المروي عنه مجهول العين والحال
(7)
.
(1)
هو: الإمام الحافظ الناقد أبو محمد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، سمع خلائق بالأقاليم، صنف الجرح والتعديل، والعلل، والمراسيل، وغيرها. توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي 3/ 829 - 832.
(2)
هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو حاتم الحنظلي الرازي، أحد الأئمة الحفاظ، قال الذهبي: كان بارع الحفظ واسع الرحلة من أوعية العلم، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين.
انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي 2/ 58.
(3)
هو: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي الإمام الرباني المتقن الحافظ، المتوفى سنة أربع وستين ومائتين.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 326 - 336.
(4)
المراسيل لابن أبي حاتم ص 7.
(5)
التمهيد لابن عبد البر 1/ 5.
(6)
انظر: تدريب الراوي للسيوطي ص 119 - 120.
(7)
انظر: المجموع شرح المهذب 1/ 60، وانظر: الحديث المرسل لمحمد حسن هيتو ص 30 - 33.
القول الثالث:
قول الإمام الشافعي، وهو التوسط بين القبول والرد، فهو يأخذ بالمرسل، لكنه يشترط لقبوله شروطا أربعة، ثلاثة منها في المرسل، والرابع في الحديث المرسل، وإليك هذه الشروط:-
الشرط الأول: أن يكون المرسل من كبار التابعين، فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال عنهم: لا أعلم منهم واحدا يقبل مرسله
(1)
.
الشرط الثاني: أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسمِ
(2)
مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه.
الشرط الثالث: أن يكون المرسل إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه
(3)
.
الشرط الرابع: أن يكون للحديث المرسل شاهد يزكي قبوله، وذلك بواحد من أربعة أمور:-
1 -
أن يكون الحفاظ المأمونون قد رووا معناه مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)
انظر: الرسالة للإمام الشافعي ص 465، وعلل الإمام الشافعي رده لمراسيل صغار التابعين بأمور:
أ- أنهم أشد تجاوزا فيمن يروون عنه.
ب- أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
جـ- كثرة الإحالة، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه.
(2)
يسمى هكذا في الأصل بإثبات حرف العلة مع الجزم، قاله الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة ص 463.
(3)
انظر: الرسالة للإمام الشافعي ص 463.
2 -
أن يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه.
3 -
أن يوافقه قول لبعض الصحابة، فإن هذه الموافقة دليل على أن المرسل له أصل معتبر.
4 -
أن يفتي بمثله كثير من أهل العلم
(1)
.
ومن هؤلاء الذين يقبل الشافعي مراسيلهم سعيد بن المسيب، حيث يقول: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن
(2)
.
الراجح:
والراجح -والله أعلم- بعد عرض الأقوال
(3)
، وما علل به أصحاب
(1)
انظر: الرسالة للشافعي ص 462 - 463.
(2)
مختصر المزني المطبوع مع الأم 8/ 78.
إلا أن أبا إسحاق الشيرازي ذكر في كتابه "اللمع في أصول الفقه" ص 41 أن الشافعية اختلفوا في مراد إمامهم بهذا على قولين:
فمنهم من قال: إنها حجة.
ومنهم: من قال: هي كغيرها، وإنما استحسنها الشافعي استئناسا بها لا أنها حجة بدون قيد. وانظر: المجموع شرح المهذب 1/ 63.
(3)
من خلال عرض الأقوال، نلاحظ تدرجًا زمنيًا في قبول المراسيل، فكلما كان الإمام أسبق زما، كان أكثر قبولًا للمرسل، فأبو حنيفة، ومالك وغيرهما ممن عاصرهما يقبلونها، ولا يشترطون إلا الثقة بمن ينقل إليهم، فلما جاء الثافعي شدد في قبوله، ووضع القيود، واشترط الشهادات المزكية، حتى جاء الإمام أحمد بن حنبل، فجعل المرسل في سجل الأحاديث الضعيفة، وقبله في حال قبولها، وقدم عليه فتوى الصحابي، كما في أعلام الموقعين لابن القيم 1/ 31 - 32، ولما جاء المحدثون من بعد الإمام أحمد كانوا بالنسبة للمراسيل أكثر ردا وضعفوها، ولم يأخذ أكثرهم بها. =
كل قول لرأيه أن لا ترفض المراسيل بإطلاق، ولا تقبل كذلك بدون قيود، فمن عرف من حاله أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به، مشهور بذلك فمرسله مقبول، ومن لم تكن عادته تلك فلا يقبل مرسله، وبه يحصل التوفيق بين الأقوال السابقة، فإن قبول الصدر الأول لكثير من المراسيل لا يمكن إنكاره، كما أن رد الطرف الآخر لها لا يستطيع أحد التغافل عنه.
وأقوى ما احتج به من قبل المراسيل حكاية ابن جرير لإجماع التابعين، وما أقواه من دليل لو كان ابن جرير يرى أن الإجماع قول الكل، لكن ابن جرير يرى أن قول الأكثر يعد إجماعا
(1)
، ولذلك ذكر الحاكم ممن رد المرسل سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين.
وأقوى ما احتج به من رد المراسيل جهالة الراوي المحذوف، وإذا تيقنا أن الراوي المرسل للحديث لا يروي إلا عن ثقة، انتفي الحذور من جهالته
(2)
.
= والسبب في هذا التدرج الزمني أنه كلما كان الزمن أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان المجهولون الذين لم يذكروا أقرب إلى فرض الثقة، ولأن الرواة الذين ذكروا الحديث من غير أن يذكروهم أهل للثقة والاطمئنان إلى أنهم لا ينقلون إلا عن ثقات عدول ضابطين، وما كان من الإمكان بعد أن تعددت الطبقات بين الفقهاء والنبي صلى الله عليه وسلم، كما في عصر الإمامين الشافعي وأحمد أن يطمئنوا ذلك الاطمئنان، وأن يثقوا بحال الذين لم يذكروا تلك الثقة.
انظر: ابن حنبل للشيخ محمد أبي زهرة ص 231.
(1)
انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص 124.
(2)
انظر: الأدلة على رد المرسل في المراسيل لابن أبي حاتم ص 3 - 7، جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص 50 - 68.
وقد اختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية
(1)
، والحافظ العلائي
(2)
(3)
.
(1)
انظر: منهاج السنة 4/ 117.
(2)
هو: صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله أبو سعيد العلائي الشافعي الإمام المحقق، بقية الحفاظ، سمع الكثير، ورحل، وبلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة.
من مؤلفاته: تلقيح الفهوم في صيغ العموم، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، منحة الرائض، وغيرها. توفي سنة إحدى وستين وسبعمائة.
انظر: شذرات الذهب لابن العماد 6/ 190 - 191.
(3)
انظر: جامع التحصيل للعلائي ص 96.