الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مردود. وقد عنى العلماء ببيان أوجه الترجيح وأنواعها، وتقصوها بجزئياتها وكلياتها، حتى ذكر الحازمي في مقدمة كتابه "الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار" خمسين وجها من أوجه الترجيح
(1)
.
وإليك الكلام على الأحاديث التي زعموا أن الحوادث الزمنية، والمشاهدة التجريبية دلت على أنها غير صحيحة.
الحديث الأول:
" لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة".
هذا حديث صحيح رواه البخاري، لكن بغير هذا اللفظ، فقد أخرجه عن ابن عمر في ثلاثة مواضع:
1 -
في كتاب العلم بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة سنة منها لا ييقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"
(2)
.
2 -
في باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعا، باللفظ السابق إلا أن فيه "أرأيتم" بدل "أرأيتكم"
(3)
.
3 -
في كتاب مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"، فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى ممن هو اليوم
(1)
انظر: الاعتبار للحازمي ص 6 - 15.
(2)
صحيح البخاري 1/ 211 مع الفتح.
(3)
البخاري 2/ 45 مع الفتح.
على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن
(1)
.
كما أخرج الحديث أيضا مسلم والإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله بلفظ: "تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة"
(2)
.
ورواه الإِمام أحمد عن علي بلفظ: "لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم. والله إن رجاء هذه الأمة بعد مائة عام"
(3)
.
وهكذا نرى من خلال الروايات السابقة أن اللفظ الذي ساقه أحمد أمين ليس مما رواه البخاري ولا غيره، ثم إن أكثر الروايات في البخاري وغيره فيها التقييد بلفظ اليوم، وهو قيد مهم، يوضح مراد النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي: المراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قل أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة
(4)
.
وقال الحافظ ابن حجر: وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة
(5)
، وقد
(1)
البخاري 2/ 73 - 74 مع الفتح، مسلم 16/ 89 مع النووي، الترمذي رقم 2252.
(2)
صحيح مسلم 16/ 90 - 91، مسند الإمام أحمد 3/ 345.
(3)
المسند 1/ 93.
(4)
شرح النووي على مسلم 16/ 90.
(5)
هو: عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي أبو الطفيل، رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب، وحفظ عنه أحاديث، مات سنة مائة، وقيل: سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة سبع ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة. =
أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم
(1)
.
وقال ابن بطال
(2)
: إنما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأم ليجتهدوا في العبادة
(3)
.
وقال الزركشي معقبًا على قولهم في أمارات الوضع: ومنها مخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل، قال: هذا إن لم يحتمل أن يكون سقط من المروي على بعض رواته ما تزول به المنافاة كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة"، فإنه سقط على راويه لفظة "منكم"
(4)
.
فليس في الحديث -إذا- مخالفة للواقع كما ادعوا، ولو كانوا ممن يريدون الحق لاستقصوا طرق الحديث، وظفروا بما يعينهم على الفهم الصحيح، وعدم التجني على السنة ورجالها.
= انظر: الإصابة لابن حجر 7/ 230 - 231.
(1)
فتح الباري 2/ 75.
(2)
هو: علي بن خلف بن بطال البكري أبو الحسن القرطبي المالكي، يعرف بابن اللجام، كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عني بالحديث عناية تامة.
له: شرح البخاري في عدة أسفار، وغيره. توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
انظر: الديباج المذهب لابن فرحون 2/ 105 - 106، الصلة لابن بشكوال 2/ 414.
(3)
انظر: شرح الكرماني على البخارى 2/ 131 - 132، فتح الباري 1/ 212.
(4)
انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق 1/ 6، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 99، المعتصر من المختصر 2/ 260 - 261.