الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَذْرُ صِيَامِ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ:
29 -
ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصُومَهُ مِنْ بِدَايَةِ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ أَوْ أَنْ يَصُومَهُ بِالْعَدَدِ، فَإِنْ صَامَهُ مِنْ بِدَايَةِ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، وَتَابَعَ فِي صِيَامِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ وَإِنْ خَرَجَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، وَإِنْ صَامَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، أَوْ صَامَ شَهْرًا بِالْعَدَدِ أَجْزَأَهُ صِيَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا احْتِيَاطًا، وَإِنِ احْتَمَل لَفْظُ الشَّهْرِ أَنْ يَكُونَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الشَّهْرَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَأَيُّهُمَا فَعَل النَّاذِرُ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يَلْزَمُهُ إِنْ صَامَ شَهْرًا بِالْعَدَدِ أَنْ يَصُومَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الشَّهْرَ الْهِلَالِيَّ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي صِفَةِ صِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ، وَعَمَّا إِذَا كَانَ يُجْزِئُهُ فِيهِ التَّفْرِيقُ، أَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِيَامِهِ التَّتَابُعُ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل:
يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ - وَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّتَابُعَ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي صِيَامِهِ فَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ، أَمَّا إِنِ اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَوَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَنْبَنِي عَلَى التَّتَابُعِ بَل عَلَى التَّفْرِيقِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ بَيْنَ كُل يَوْمَيْنِ مِنَ الْوَقْتِ مَا لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِيهِ، وَهُوَ اللَّيْل، فَكَانَ لِلصَّائِمِ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّفْرِيقِ وَالتَّتَابُعِ (2) ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الشَّهْرَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُ هَذَا النَّاذِرَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَاّ إِذَا اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ (3) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي:
يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُتَابِعَ فِي صِيَامِهِ، اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ أَمْ لَا، وَلَا يُجْزِئُهُ التَّفْرِيقُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (4) .
(1) رد المحتار 3 / 71، وفتح القدير 4 / 27، وبدائع الصنائع 6 / 2892 - 2893، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 2 / 451، وحاشية الدسوقي 1 / 538 - 540، وروضة الطالبين 3 / 310، ونهاية المحتاج 8 / 225 - 226، والمغني 9 / 27، والكافي 4 / 425.
(2)
بدائع الصنائع 6 / 2893، والمغني 9 / 28.
(3)
المغني 9 / 27، والكافي 4 / 425
(4)
المغني 9 / 27 - 28، والكافي 4 / 425، وكشاف القناع 6 / 281، والإنصاف 11 / 143.