الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاسْتَدَل هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ حَالَةَ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، فَلَزِمَهُ قَضَاءُ الصِّيَامِ الْمَنْذُورِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (1) وَقَالُوا كَذَلِكَ: إِنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ وَقْتَ أَنْ كَانَ مُكَلَّفًا، ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَوَّتَ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ، وَيَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِهَذَا وَجَبَ قَضَاءُ رَمَضَانَ إِذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ (2) .
وَأَضَافُوا بِأَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ عِنْدَ النَّذْرِ هُوَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيُعْتَبَرُ بِالإِْيجَابِ الْمُبْتَدَأُ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ ابْتِدَاءً لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ إِلَاّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ هَذَا (3) .
نَذْرُ الاِعْتِكَافِ وَمَا يُوجِبُهُ عَلَى النَّاذِرِ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ نَذْرِ الاِعْتِكَافِ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنَيْنِ وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلاً: نَذْرُ الاِعْتِكَافِ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ:
40 - مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي مَكَانٍ بِعَيْنِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا عَيَّنَهُ فِي النَّذْرِ مَسْجِدًا مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مَا
(1) المغني 9 / 29.
(2)
بدائع الصنائع 6 / 2894.
(3)
المصدر السابق.
عَيَّنَهُ فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، وَفِيمَا يَلِي حُكْمُ تَعْيِينِ ذَلِكَ، وَعَمَّا إِذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ فِي النَّذْرِ أَمْ لَا.
أ - نَذْرُ الاِعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
41 -
مَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَعَيُّنِ هَذَا الْمَسْجِدِ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ بِحَيْثُ لَا يُجزِئُ غَيْرُهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ عَدَمُ تَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ، عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل:
يَرَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيمَا سِوَاهُ، قَال بِهِ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (1) ، وَاسْتَدَلُّوا بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَبِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَوْفِ
(1) فتح القدير 2 / 104، والفتاوى الهندية 1 / 214، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 547، والتاج والإكليل 2 / 460، والمجموع 6 / 479، 481، والمغني 3 / 215.