الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مَشْرُوعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَشْرُوعِ كَأَنْ كُفِّنَ رَجُلٌ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَفَائِفَ أَوْ كُفِّنَتِ امْرَأَةٌ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ ثِيَابٍ فَسُرِقَ الزَّائِدُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِاعْتِبَارِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، كَمَا لَوْ وُضِعَ مَعَ الْكَفَنِ غَيْرُهُ أَوْ تُرِكَ مَعَ الْمَيِّتِ طِيبٌ مَجْمُوعٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ جَوْهَرٌ فَلَا قَطْعَ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَتَرْكُهُ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْمَيِّتِ تَضْيِيعٌ لِلْمَال وَسَفَهٌ فَلَا يَكُونُ مُحَرَّزًا بِالْقَبْرِ.
وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا لَوْ تُرِكَ الْمَيِّتُ فِي تَابُوتٍ فَسُرِقَ التَّابُوتُ فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ؛ لِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ حَيْثُ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الدَّفْنِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِرِ الْقَبْرُ حِرْزًا لَهُ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ تَغَالَى فِي الْكَفَنِ بِحَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ أَلَاّ يُخَلَّى مِثْلُهُ بِلَا حَارِسٍ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ (1) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا، فَمَنْ سَرَقَ مِنْ كَفَنِ شَخْصٍ كُفِّنَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مَا زَادَ عَلَى الْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ يُقْطَعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْجَلَاّبِ وَالتَّلْقِينِ (2) .
(1) الحاوي الكبير 17 / 184 وما بعدها، ومغني المحتاج 4 / 196، وكشاف القناع 6 / 138 - 139، وَالدسوقي 4 / 340.
(2)
الدسوقي 4 / 340.
7 -
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ قَطْعَ النَّبَّاشِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي قَطْعِهِ: أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ عَمِيقًا عَلَى مَعْهُودِ الْقُبُورِ وَمَطْمُومًا الطَّمَّ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَبْرُ عَمِيقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَطْمُومًا الطَّمَّ الْمُعْتَادَ فَلَا قَطْعَ فِيهِ (1) .
كَمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي الْقَطْعِ مِنْ أَجْل الْكَفَنِ أَنْ يُخْرِجَ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ بَعْدَ تَجْرِيدِهِ مِنَ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ اللَّحْدِ إِلَى فَضَاءِ الْقَبْرِ وَتَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ، لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا قَطْعَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ حِرْزِهِ.
أَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ مَعَ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُجَرِّدْهُ عَنْهُ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا:
لَا قَطْعَ فِيهِ، لاِسْتِبْقَائِهِ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَالثَّانِي:
يُقْطَعُ؛ لإِِخْرَاجِ الْكَفَنِ مِنْ حِرْزِهِ (2) .
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا فِي الْقَطْعِ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفَنَ وَالْمَيِّتُ فِيهِ، فَإِنْ أَكَل الْمَيِّتَ سَبُعٌ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ وَبَقِيَ الْكَفَنُ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ فَلَا قَطْعَ إِلَاّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ فَنِيَ الْمَيِّتُ وَبَقِيَ الْكَفَنُ قُطِعَ؛ لأََنَّ الْقَبْرَ مَا زَال حِرْزًا لِلْكَفَنِ.
(1) الحاوي الكبير 17 / 190، وكشاف القناع 6 / 138، 139.
(2)
مغني المحتاج 4 / 169، والحاوي 17 / 187، 190، وكشاف القناع 6 / 138.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَطْعِ: أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ قَبْرٌ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ (1) .
8 -
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ النَّبَّاشَ سَارِقًا فِي اعْتِبَارِ الْبَحْرِ حِرْزًا لِلْكَفَنِ حَتَّى يَجِبَ قَطْعُ سَارِقِهِ، وَذَلِكَ إِذَا أُلْقِيَ الْمَيِّتُ مَعَ كَفَنِهِ فِيهِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْقَبْرُ وَالْبَحْرُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَأَمَّا الْبَحْرُ فَظَاهِرٌ كَوْنُهُ حِرْزًا لِلْكَفَنِ مَا دَامَ الْمَيِّتُ فِيهِ، أَمَّا الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ مَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْبَحْرُ لَيْسَ حِرْزًا لِكَفَنِ الْمَيِّتِ الْمَطْرُوحِ فِيهِ فَلَا يُقْطَعُ آخِذُهُ؛ لأَِنَّهُ ظَاهِرٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَأُخِذَ كَفَنُهُ، فَإِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ فَلَا قَطْعَ عَلَى آخِذِهِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ طَرْحَهُ فِي الْمَاءِ لَا يُعَدُّ إِحْرَازًا، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ وَغَيَّبَهُ الرِّيحُ بِالتُّرَابِ (3) .
(1) مغني المحتاج 4 / 169 - 170، وكشاف القناع 6 / 138 - 139، وانظر الحاوي الكبير 17 / 189.
(2)
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 340.
(3)
مغني المحتاج 4 / 170.
9 -
الْقَوْل الثَّانِي: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَفِي " (1) وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْل الْمَدِينَةِ؛ وَلأَِنَّ نَبَّاشًا رُفِعَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَعَزَّرَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ وَفِي الْمَدِينَةِ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءُ التَّابِعِينَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ وَلأَِنَّ أَطْرَافَ الْمَيِّتِ أَغْلَظُ حُرْمَةً مِنْ كَفَنِهِ، فَلَمَّا سَقَطَ ضَمَانُ أَطْرَافِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ الْقَطْعُ فِي أَكْفَانِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَالٍ مُحَرَّزٍ مَمْلُوكٍ، وَهَذِهِ الأَْوْصَافُ مُخْتَلَّةٌ (2) .
قَال فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ: لَا قَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ؛ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ تَمَكَّنَتْ فِي الْمِلْكِ؛ لأَِنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةً، وَلَا لِلْوَارِثِ؛ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ الْمَيِّتِ وَقَدْ تَمَكَّنَ الْخَلَل فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ الاِنْزِجَارُ؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ نَفْسَهَا نَادِرَةُ الْوُجُودِ. وَيَشْمَل هَذَا الْحُكْمُ مَا إِذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا
(1) حديث: " لا قطع على المختفي " أورده الزيلعي في نصب الراية (3 / 367 ط المجلس العلمي) وقال: غريب. ثم ذكر أن ابن أبي شيبة أخرج موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهم: (ليس على النباش قطع) وهو في المصنف (10 / 36 ط الدار السلفية) .
(2)
المبسوط للسرخسي 9 / 156 - 159، والبحر الرائق 5 / 60، وانظر الحاوي الكبير 17 / 184 وما بعدها، وفتح القدير مع الحواشي 5 / 137 وما بعدها.