الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا، وَهَذَا الْقَوْل رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْوَّل هُوَ الصَّحِيحُ (1) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِمَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِ النِّسَاءِ عَنْ دُخُول الْحَمَّامَاتِ بِمِئْزَرٍ وَبِغَيْرِ مِئْزَرٍ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال: إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَال إِلَاّ بِالأُْزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَاّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ (2) .
نَظَرُ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ:
23 -
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَمْكِينِ الْمُسْلِمَةِ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا عَلَى أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ فِي نَظَرِهَا إِلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ، فَلَا يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَهَا مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا سِوَى مَا يَحِل لِلرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتَبَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ
(1) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(2)
حَدِيث: إِنَّهَا سَتَفْتَحُ لَكُمْ أَرْضَ الْعَجَمِ. . . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (4 / 302 ط حِمْص) وَابْن مَاجَهْ (2 / 1233 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَأَوْرَدَهُ الْمُنْذِرِي فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (1 / 199) وَذَكَرَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا ضَعِيفًا.
وَالنَّوَوِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ هُوَ الأَْصَحُّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ.
وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل يَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِل لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهَا مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وَعَلَى الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْل إِذَا كَانَتِ الْكَافِرَةُ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ (أَيْ تَنْزِل مَنْزِلَةَ الرَّجُل الْمَحْرَمِ) وَغَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لَهَا، أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إِلَيْهَا.
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ نِسَائِهِنَّ (1) فَقَدْ فَسَّرَهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُنَّ النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ الْحَرَائِرُ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مِنْ قَوْلِهِ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ لَا تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْكَافِرَةِ النَّظَرُ إِلَى الْمُسْلِمَةِ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ الْوَارِدِ فِي الآْيَةِ بِالإِْضَافَةِ فَائِدَةٌ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِنْفٌ مِنَ
(1) سُورَة النُّور / 31
النِّسَاءِ هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ رضي الله عنه: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ وَمَعَهُنَّ نِسَاءُ أَهْل الْكِتَابِ فَامْنَعْ ذَلِكَ وَحُل دُونَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَوْرَتِهَا إِلَاّ أَهْل مِلَّتِهَا (1) ، أَيْ مَا يُعَرَّى وَيَنْكَشِفُ مِنْهَا.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَال: لَا تَضَعُ الْمُسْلِمَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ مُشْرِكَةٍ، وَلَا تُقَبِّلُهَا، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: أَوْ نِسَائِهِنَّ فَلَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِنَّ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كَشْفَ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ عَنْ بَدَنِهَا أَمَامَ الْكَافِرَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ دِينَهَا لَا يَمْنَعُهَا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمَةُ فَإِنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فَتَنْزَجِرُ عَنْهُ (2) .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُقَبِّل النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ تَرَى عَوْرَتَهَا وَيَتَأَوَّل
(1) أَثَر عُمَر أَمَّا بَعْدٌ فَإِنَّهُ بَلَّغَنِي أَنَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. . . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (7 / 95 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) بِرِوَايَتَيْهِ.
(2)
الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 9 / 534، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 5 / 327، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 539، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ وَتَقْرِيرَات الشَّيْخِ عِلِيش 1 / 213، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 7 / 22 وَمَا بَعْدَهَا، 3 / 174، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 128 وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 194، وَالإِْنْصَاف 8 / 25، وَالْمُبْدِع 7 / 10، وَفَتْح الْقَدِير للشوكاني 4 / 32، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 12 / 233، وَتَفْسِير ابْن كَثِير 2 / 600، 601، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ - تَفْسِير سُورَةِ النُّور (3 / 318
" أَوْ نِسَائِهِنَّ "(1) .
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ كَنَظَرِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَقَدْ قَال: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِنِسَائِهِنَّ مَنْ يَصْحَبُهُنَّ مِنَ الْحَرَائِرِ مَسْلَمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَالنِّسَاءُ كُلُّهُنَّ فِي حِل نَظَرِ بِعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ. وَيُسْتَفَادُ مِثْل هَذَا مِنْ قَوْل السَّرَخْسِيِّ: إِنْ كَانَ مَعَ الرِّجَال امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ عَلَّمُوهَا الْغُسْل لِتُغَسِّلَهَا، لأَِنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ وَالْمُخَالَفَةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتَبَرَهُ الْغَزَالِيُّ هُوَ الأَْصَحُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَنَصَرَاهُ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي، وَقَدْ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْل
(1) أَثَر: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَقْبَل النَّصْرَانِيَّة الْمُسْلِمَة. . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَيْ (18 / 95 ط دَار الْمَعْرِفَة) .