الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَالْحَقُّ فِي تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ إِنْ نَشَزَتْ لِلأَْزْوَاجِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وِلَايَةُ التَّأْدِيبِ لِلزَّوْجِ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ - أَيِ الزَّوْجَةُ - فِيمَا يَلْزَمُ طَاعَتُهُ بِأَنْ كَانَتْ نَاشِزَةً، فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عُلِمَ أَنَّ النُّشُوزَ مِنَ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ الْمُتَوَلِّي لِزَجْرِهَا هُوَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ نُشُوزُهَا الإِْمَامَ، أَوْ بَلَغَهُ وَرَجَا إِصْلَاحَهَا عَلَى يَدِ زَوْجِهَا، وَإِلَاّ فَإِنَّ الإِْمَامَ يَتَوَلَّى زَجْرَهَا (2) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: وَلَّى اللَّهُ تَعَالَى الأَْزْوَاجَ ذَلِكَ دُونَ الأَْئِمَّةِ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ دُونَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلَا بَيِّنَاتٍ ائْتِمَانًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلأَْزْوَاجِ عَلَى النِّسَاءِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: جَازَ لِلزَّوْجِ ضَرْبُ النَّاشِزَةِ، وَلَمْ يَجِبِ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ لِمَشَقَّتِهِ، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ رَدُّهَا إِلَى الطَّاعَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً (4) ، وَخَصَّصَ الزَّرْكَشِيُّ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَإِنْ
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 334.
(2)
مَوَاهِب الْجَلِيل 4 / 15، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 343.
(3)
تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 5 / 173.
(4)
سُورَةُ النِّسَاءِ / 34
كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ تَعَيَّنَ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الزَّوْجُ الَّذِي لَهُ حَقُّ تَأْدِيبِ امْرَأَتِهِ يُمْنَعُ مِنْهُ إِذَا عُلِمَ مَنْعُهُ حَقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ وَحَتَّى يُحْسِنَ عِشْرَتَهَا، لأَِنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا بِطَلَبِهِ حَقَّهُ مَعَ مَنْعِهَا حَقَّهَا (2) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَأْدِيب ف 3،4،7، 8، وَزَوْج ف 7) .
مَا يَكُونُ بِهِ التَّأْدِيبُ لِلنُّشُوزِ:
13 -
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبُ امْرَأَتِهِ لِنُشُوزِهَا، وَعَلَى أَنَّ هَذَا التَّأْدِيبَ يَكُونُ بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَالضَّرْبِ، لِقَوْل اللَّهِ عز وجل: وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (3) .
وَلَهُمْ بَعْدَ هَذَا الإِْجْمَال تَفْصِيلٌ فِي كُلٍّ مِنَ الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَالضَّرْبِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - الْوَعْظُ:
14 -
الْوَعْظُ هُوَ: التَّذْكِيرُ بِمَا يُلَيِّنُ الْقَلْبَ لِقَبُول الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ
(1) حَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْح التَّحْرِير 4 / 289.
(2)
كَشَّاف الْقِنَاع 5 / 210.
(3)
سُورَةُ النِّسَاءِ / 34
الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى طَاعَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ وَعْظِ الرَّجُل امْرَأَتُهُ إِنْ نَشَزَتْ، أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَعْظَ - فِي الْحَالَاتِ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا - مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَ يَعِظُ امْرَأَتَهُ إِنْ نَشَزَتْ فِعْلاً.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَعِظُهَا إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا.
وَقَال الْفُقَهَاءُ: يَعِظُهَا عَلَى الرِّفْقِ وَاللِّينِ، بِأَنْ يَقُول لَهَا: كُونِي مِنَ الصَّالِحَاتِ الْقَانِتَاتِ الْحَافِظَاتِ لِلْغَيْبِ، وَلَا تَكُونِي مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيَعِظُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُذَكِّرُهَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَجَمِيل الْعِشْرَةِ لِلزَّوْجِ وَالاِعْتِرَافِ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهَا، وَيُحَذِّرُهَا عِقَابَ الدُّنْيَا بِالضَّرْبِ وَسُقُوطِ الْمُؤَنِ، وَعِقَابَ الآْخِرَةِ بِالْعَذَابِ، وَيَقُول لَهَا: اتَّقِ اللَّهَ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِي عَلَيْكِ، وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُ الْقَسْمَ، فَلَعَلَّهَا تُبْدِي عُذْرًا أَوْ تَتُوبُ عَمَّا وَقَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا قَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا
لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (1)، وَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَِحَدٍ لأََمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا (2)، وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَيُّمَا امْرَأَةٍ عَبَسَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا إِلَاّ قَامَتْ مِنْ قَبْرِهَا مُسْوَدَّةَ الْوَجْهِ وَلَا تَنْظُرُ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبَرَّهَا وَيَسْتَمِيل قَلْبَهَا بِشَيْءٍ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال: الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ (3) .
وَقَالُوا: إِنْ رَجَعَتْ بِالْوَعْظِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالأَْدَبِ حَرُمَ مَا بَعْدَ الْوَعْظِ مِنَ الْهَجْرِ وَالضَّرْبِ (4) .
(1) حَدِيثٌ: " إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (5) .
(2)
حَدِيث: " لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (5) .
(3)
حَدِيث: " الْمَرْأَة كَالضِّلْعِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِّي 9 / 252 ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (2 / 1090 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(4)
بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 334، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى شَرْح الدردير 2 / 343، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 5 / 171، وَالأُْمّ 5 / 112، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 259، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ 3 / 305، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير 2 / 285، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 209.