الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب» فقال بعضهم:
فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال:
سبقك بها عكاشة».
وفي حديث حسن «فإن الله وعدني سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات» . وفي حديث حسن رواه أبو القاسم الطبراني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد صلى الله عليه وسلم أكثر مما جاء مع الأنبياء» . وفي حديث إسناده حسن قال عليه الصلاة السلام: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفا» . وفي حديث رواه البخاري ومسلم قال عليه الصلاة السلام: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع. غدا لليهود، وللنصارى بعد غد» .
كلمة في سياق المقطع الأول من القسم الرابع:
1 -
يلاحظ أن مقدمة سورة البقرة بدأت بالكلام عن المتقين المهتدين بالكتاب، المؤمنين المصلين المنفقين، ثم ثنت بالكلام عن الكافرين: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
والملاحظ أن هذا المقطع: بدأ بالنهي عن طاعة أهل الكتاب، التي تجر إلى الكفر، ثم ثنى بالدعوة إلى التقوى الكاملة والاعتصام بالقرآن، والدعوة إليه، ونهى عن التفرق، واستقرت مجموعة منه على قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ. ثم جاءت مجموعة تبين خيرية هذه الأمة، وتأخذ على أهل الكتاب انحرافهم، وتذكر ما عوقبوا به، وإذ تذكر شرارهم، تذكر بخيارهم، وتستقر المجموعة على قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.
فهاتان المجموعتان من هذا المقطع تعملان في تعميق قضية التقوى، وكما أن مقدمة
سورة البقرة تحدثت عن الكافرين بعد المتقين، فإن هذا المقطع ينتهي بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
لاحظ أن كل شئ من أخلاق المتقين يفعله الكافرون لا يقبل منهم.
2 -
في مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وهذا المقطع بعد أن أمرنا بأن نعتصم بالله، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وبعد أن أمرنا بالاعتصام بالقرآن مبينا أن ذلك هو طريق الهداية، أمرنا بأن ندعو إلى الخير، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وبين أن في ذلك الفلاح.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وإذن فقد فصلت آيات في هذا المقطع في موضوع الهداية والفلاح، بأن بينت معنى مما يدخل في الاهتداء بالقرآن، ويتوقف عليه الفلاح.
ثم إن مجموعة من الآيات بينت أن الخيرية في هذه الأمة مرتبطة بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، وبينت أن أهل الكتاب الملتزمين بالإيمان بالله واليوم الآخر، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، لا يستوون مع غيرهم من أهل الكتاب.
فالمقطع عمق قضية التقوى، وفصل فيما يدخل فيها.
3 -
لعله اتضح بشكل ما، صلة هذا المقطع بمقدمة سورة البقرة من خلال ما مر، فلنر محله في سياق سورة آل عمران:
في القسم الأول من سورة آل عمران ذكر- عز وجل أنه أنزل القرآن، وجعله آيات محكمات، وأخر متشابهات. وفي هذا المقطع يأمرنا الله- عز وجل بالاعتصام بكتاب الله، ويحذرنا أن نكون من المتفرقين وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فالآيات هنا تحذرنا من التفرق، فإذا ربطنا بين هذه الآيات، وآيات القسم الأول التي تعرفنا أن الآيات المتشابهات إنما يتبعها من يريد الفتنة
بين المسلمين، أدركنا نموذجا من التفرق المذموم. فلا بد للمسلمين أن يلحظوا أن اللقاء ينبغي أن يكون على المحكم، وعلى التسليم في شأن المتشابه. وعدم الخوض فيه.
وفي القسم الأول ورد قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وهاهنا يذكر الله- عز وجل لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ .. وفي القسم الأول يذكر الله- عز وجل الذين يقتلون الأنبياء، وهاهنا يذكر الله- عز وجل .. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وهكذا نجد صدق ما ذكرناه من كون الأقسام الأولى مهدت لهذا القسم، فبعد الكلام عن عيسى عليه السلام، نوقش أهل الكتاب. وبعد هذا النقاش نهينا عن طاعتهم، وعرفنا أنهم لن يضرونا إلا أذى، وأنهم مهزومون إن قاتلونا.
4 -
لنتأمل الآن في تسلسل المعاني ضمن المقطع الذي مر معنا:
بدأ المقطع بالنهي عن طاعة أهل الكتاب وبين أن عاقبة ذلك الكفر، ثم عجب من كفر المسلم بعد إيمانه، وخض على الاعتصام بالله، ثم بين أن طريق الاعتصام: تقوى، واعتصام بالقرآن، وعدم تفرق، ودعوة إلى الخير، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ثم فصل في موضوع التفرق وعاقبته، ثم بين أن حكمة اصطفاء هذه الأمة بسبب اجتماع الإيمان بالله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لها، ثم بين أن أهل الكتاب مفتوحة لهم الطريق ليدخلوا فى هذه الأمة، وبين أن أكثرهم لا يدخلون، وبعضهم يدخلون ويفعلون كل ما تستلزمه قضية التقوى.
وفي وسط هذه المعاني، يبين- عز وجل لنا أن الكافرين من أهل الكتاب لن يضرونا إلا أذى، وأنهم مغلوبون إن قاتلونا، وصلة ذلك بالنهي عن طاعتهم، والاعتصام بالإسلام لا تخفى.
5 -
في بداية هذا المقطع ورد قوله تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وفي وسط هذا المقطع ورد قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ .. ومن رأى واقع ما نحن فيه؛ علم أن في هذه الآية معجزة تدل على أن منزل هذا القرآن هو المحيط علما بكل شئ فثبته ذلك على الإيمان.