الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر؛ وكذلك المغفرة، أما نفي التفضل بهما فلا.
ز- وفي أسباب نزول الآية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ....
يقول الألوسي:
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية.
وفي رواية عطاء عن ابن عباس، أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا، فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. «وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول» .
[تفسير الفقرة الثانية]
ولننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في هذا المقطع، وقد رأينا صلتها بما قبلها، ومحلها في السياق القرآني العام، ومناسبة النزول هي وقعة أحد.
وَلا تَهِنُوا أي: ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم أو يصيبكم وَلا
تَحْزَنُوا على ما فاتكم، أو يفوتكم، أو أصابكم، أو يصيبكم في سبيل الله وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: والحال أنكم أعلى منهم وأغلب إن صح إيمانكم، وهذه بشارة للمؤمنين بالعلو، والغلبة، والنصر، والظفر، في العاقبة. والآية تفيد أن صحة الإيمان توجب قوة القلب، والثقة بوعد الله، وقلة المبالاة بأعدائه
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ القرح: الجراحة في الأصل فالمعنى: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل وأذى، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك، من قتل
وجراح. أو إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم قبله يوم بدر. ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال، فأنتم أولى ألا تضعفوا. والنص وإن كان بمناسبة أحد، وبمناسبة معركة، فهو أعم من أن يكون في أحد خاصة، أو في القتال خاصة. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي: نصرفها، وهذه من سنن الله، يديل المؤمنين تارة، ويديل الكافرين تارة، وإن كانت العاقبة للمؤمنين، ويصرف ما في هذا العالم من نعم ونقم، فيعطي لهؤلاء تارة، وطورا لهؤلاء؛ لضروب من الحكم قد تعلم، وقد لا تعلم، ومن جملة هذه الحكم وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ، ذكر هنا أربع حكم، وذكر قبلها الواو ليفيد أن هناك حكما أخرى.
أما قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فقد فسره ابن عباس بمعنى: لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء. وقال النسفي: وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم، كما علمهم قبل الوجود، هذه هي الحكمة الأولى لمداولة الأيام بين الناس تبيان المؤمن الذي يثبت على الإيمان في كل الظروف. والحكمة الثانية هي قوله تعالى وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يحتمل معنيين: الأول- وهو المتبادر- ليكرم ناسا منكم بالشهادة حين يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم من أجله، وفي سبيل مرضاته، والثاني ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة. ولولا أن الأيام دول ما ظهر فضل أهل الفضل، الذين يبذلون المهج، أو يستقيمون في كل حال داعين إلى المنهج، وبعد أن ذكر هاتين الحكمتين لجعله الأيام دولا، وقبل أن يذكر الحكمتين الأخيرتين جعل بين ذلك- قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
أي: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان، المجاهدين الباذلين أرواحهم في سبيله. أشعر ذكر الظالمين في ختام الآية أن من ليس مؤمنا مجاهدا فهو ظالم، فالظلم هنا للنفس يدخل فيه: الكفر، والنفاق، ويدخل فيه القعود عن الجهاد، وعدم
الاستقامة على أمر الله.
ثم ذكر الحكمة الثالثة والرابعة، في جعله الأيام دولا:
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ التمحيص: هو التطهير والتصفية، والمحق: هو الإهلاك، فصار المعنى: إن جعل الله الدولة على المؤمنين فللتمييز، والاستشهاد، والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.
ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري حيث الدولة على الإسلام والمسلمين، فمن منا الذي يستحق كرامة الله؛ فيثبت على الإيمان، ويبذل مهجته من أجل الإسلام، ويبقى في الصف الإيماني الإسلامي على ما أصابه؛ لتطهر بذلك نفسه، وتزكو وترتفع درجاته، ويعمل لمحق الكافرين، واستئصالهم، وكسر شوكتهم، لتكون الدولة للمسلمين؟ نسأل الله أن نكون من هؤلاء؛ لنكون من الطائفة الظاهرة، التي لا يضرها من خالفها وخذلها إلى يوم القيامة. ثم صحح الله مفهوما خاطئا، وتصورا مغلوطا يقع فيه كثير من الناس، وحتى ممن يظنون أنفسهم في الذروة من المسلمين، هذا التصور: أنه بلا جهاد وصبر يمكن أن يدخلوا الجنة.
قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. أم هنا تفيد الإنكار. ففي الآية إذن إنكار على من يظن أن دخول الجنة يكون بلا جهاد وصبر، أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء، أو بتعبير آخر: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولما تجاهدوا وتصبروا. ولما في الآية بمعني: لم، إلا أن فيها ضربا من التهييج على الجهاد، والصبر من حيث كونه متوقعا، ومنتظرا من المؤمنين، وفي هذا السياق يأتي معنى جديد مرتبط بما قبله كل الارتباط، فلنذكر شيئا عن السياق:
الآيات التي نشرحها الآن جاءت في سياق النهي عن الوهن والحزن في حالة هزيمتنا، وكون الدولة علينا، من خلال ما حدث للمسلمين يوم أحد، وفي هذا السياق بين الله الحكمة في جعله الأيام دولا، وصحح مفهوما خاطئا يمكن أن نقع فيه حول تصور دخول الجنة، وفي هذا السياق تأتي الآن مجموعة من الآيات تصور حال الجماعة الإسلامية كما ينبغى أن تكون في حالة قتل زعمائها، المتمثلين بالأنبياء والرسل وخلفائهم ووراثهم من بعدهم إلى يومنا هذا، وكيف أن هذا القتل لا ينبغي أن يؤثر على الاستمرار والمتابعة. وخلال ذلك ينكر الله- عز وجل على من يرتد بعد قتل رسوله أو موته، وهذا كله يأتي في سياق دروس أحد، فلنر الآيات
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. في هذه الآية مجموعة أمور منها: أن هذا الخطاب ابتداء لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد، وقد كان هذا حالهم قبل أحد، أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتتحرقون عليه، وتودون مناجزتهم، ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا، وصابروا.
ورؤيتهم الموت: معاينتهم له حين قتل إخوانهم بين أيديهم، وشارفوا أن يقتلوا.
وفي الآية نوع من التوبيخ، إذ إن تمنيهم الموت تجاوز الحد المراد، ولم يعط حقه إذ جاء حقه؛ والأصل أن المسلم يتمنى الشهادة؛ لينال كرامة الشهداء، من غير قصد إلى ما يتضمنه قتله من غلبة الكفار، بل لينتصر الإسلام، كمن شرب الدواء من طبيب غير مسلم، فإن قصده حصول الشفاء، ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو لله، وتمني الشهادة شئ، وتمني الموت شئ آخر، وتمني لقاء العدو شئ مختلف عنهما.
فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما ثبت فى الصحيحين: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» والصحابة قبيل أحد حرصوا على الموت، حتى حملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزولا على الشورى، أن يخرج للقتال خارج المدينة، ولم يكن ذلك رأيه صلى الله عليه وسلم،
ثم انهزم قسم كبير عنه. والخطاب وإن كان للصحابة ممن رافق الحادثة، فهو درس للمسلمين في كل عصر ومصر، ينبغي أن يحبوا الشهادة، ولكن الحرص على
الشهادة ينبغي أن يرافقه قرار نابع من محض المصلحة. ولما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدا! وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه، وشاع بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فحصل ضعف ووهن، أعطى الله المسلمين درسا في ذلك: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي: قد مضت من قبله الرسل فسيخلوا كما خلوا. وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة، وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه، فيتعلق بوجوده قيامهم بالجهاد، وبأمر الله. فإذا مات ترك ذلك ولذلك أنكر الله- عز وجل على من حصل له ضعف فقال: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي: رجعتم القهقرى، والهمزة تفيد الإنكار أن يجعلوا خلو الرسول سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله لم يؤثر على بقاء دينهم متمسكا
به، والانقلاب على الأعقاب مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام. وأفادت الآية جواز القتل على الرسل، فما أجهل الذين يرون القتل في سبيل الله علامة على خطأ السير.
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أي: ومن يرتدد. فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي: الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام في ثباتهم على كل حال، وقيامهم بطاعة الله، وقتالهم عن دينهم، واتباعهم رسوله حيا وميتا.
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا أي: كتب الموت كتابا مؤقتا، له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. فصار المعنى:
وما جاز لنفس أن تموت إلا بعلم الله، وإرادته، وقدرته، أو بإذنه لملك الموت أن يقبضها إذا انتهت المدة المحددة لها، فلا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله.
يفهم من هذا كله أن موت الأنفس لا يكون إلا بمشيئة الله. وفي ذلك تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر المؤدي إلى معصية الله لا ينفع، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك. وإذا كان الأمر كذلك فكيف ترتدون على الأعقاب إذا قتل أو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف لا تستمرون على دينه؟. وإذ كان الثبات وعدمه مرتبطين بالإيمان بالآخرة، ختم الله الآية بقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي: من كان عمله للدنيا فقط ناله منها مما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي: ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها، وما قسم له في الدنيا ناله .. وفي الآية تعريض مباشر بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وتحذير لكل مسلم أن تكون الدنيا مؤثرة عنده على الآخرة، فيترك الإسلام قولا أو عملا من أجل دنيا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين يثبتون على دين الله، قولا وعملا واعتقادا، أي:
سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا.
ثم بين الله- عز وجل الموقف الصحيح في مثل هذه الظروف من خلال مواقف الأنبياء السابقين وأتباعهم. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ الربيون: هم الربانيون، قال الحسن في تفسير الآية: علماء كثير، وقال: علماء صبر، وفسرها ابن كثير فقال: أي أبرار أتقياء. ومآل المعنى كما اختاره ابن جرير: كم من نبي قتل،