الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يطوقه».
2 -
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (سورة البقرة) قالت اليهود: يا محمد افتقر ربك فسأل القرض، فأنزل الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ.
3 -
ذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه، ولا يرون شخصه فقال:«السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
4 -
أخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة، خير من الدنيا وما فيها» قال: ثم تلا هذه الآية فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وفي الحديث «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه» وقال قتادة في قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ قال هي متاع متروكة أو شكت- والله الذي لا إله إلا هو- أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله».
5 -
قال ابن كثير في التعليق على قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً فكل من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلا بد أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله.
كلمة في السياق:
سيأتي بعد الآية الأخيرة من الفقرة السابقة قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وقد رأينا أن مجئ كلمة (الحسبان) في هذا السياق علامة على ابتداء فقرة، مما يشير إلى أن آية الكتمان الواردة في الفقرة التي مرت معنا هي نهاية هذه الفقرة.
والملاحظ أن الفقرة التي مرت معنا، وهي الفقرة الثالثة في مقطعها قد ذكرت ثلاث معان رئيسية: البخل، والابتلاء الذي يقتضي الصبر، ومنه الصبر على إيذاء أهل الكتاب، والمعنى الثالث كتمان أهل الكتاب. وقد رأينا أن المقطع الثالث الذي نفسره يفصل في مقطع الصبر من سورة البقرة، الذي فيه ذكر الابتلاء والصبر عليه، والذي فيه ذكر الكتمان. فلو أنك تأملت الفقرة التي بين أيدينا، لرأيتها تفصل في حيزها الأول في قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ من مقدمة سورة البقرة، وتفصل في حيزها الثاني في الابتلاء والكتمان من مقطع الصبر في سورة البقرة.
وهذا يؤكد أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها، وبشكل يربط ويدل على صلة المعاني الواردة في سورة البقرة، بما له صلة بالمقدمة
بشكل مباشر، ولو أنك نظرت إلى الكتمان، لرأيت أن له صلة بقوله تعالى:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ولو أنك نظرت إلى الصبر على إيذاء أهل الكتاب، والصبر على الابتلاء، لرأيت له صلة بالإيمان بالغيب.
فصلة الفقرة إذن في تفصيل مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها موجودة، ألا ترى مثلا أن قوله تعالى في الفقرة الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
…
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ألا ترى أن لهذا صلة مباشرة بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
إنك كيف تأملت تجد روابط بمقدمة سورة البقرة، والمعاني الأكثر لصوقا بها من سورة البقرة. إن سورة آل عمران تشد المعنى المرتبط بمقدمة سورة البقرة إلى جزء في هذه المقدمة، ثم تفصل فيه، ثم تشد جزءا آخر، ثم تفصل فيه، وهكذا ضمن سياقها الخاص بها. فمثلا في سورة البقرة جاءت آية الكرسي ضمن سياقها وهي مبدوءة بقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ولذلك صلة بمقدمة سورة البقرة، سواء من حيث الإيمان بالغيب، أو إنزال الكتاب. وجاءت سورة آل عمران لتشد هذا المعنى إلى المقدمة فتفصل في ذلك، وبذلك بدأت السورة كما رأينا.
ولئن قصر تعبيرنا في موطن من هذا التفسير عن التدليل، فإن في مجموع ما سنذكره في هذا التفسير لدليلا- إن شاء الله- على صحة اتجاهنا.
هناك ارتباط بين الصبر والتقوى، لذلك رأينا من قبل في سورة آل عمران:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ورأينا في هذه الفقرة:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وهذا يؤكد الارتباط المباشر بين مقدمة سورة البقرة ومجموعة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ..
رأينا أن الصلة بين فقرات هذه المقطع واضحة، من حيث إن المقطع كله يصحح مفاهيم، وهو مرتبط بالمقطع السابق عليه، كذلك بهذا القاسم المشترك، وأما الصلة بين الفقرة التي مرت معنا، وبين بداية القسم الذي نهى عن طاعة أهل الكفر، ووعد المؤمنين بالرعاية والنصرة، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فمن حيث إنه أرانا مواقف للكافرين كل منها تقتضي ألا نطيعهم، ومن حيث إنه وطن أنفسنا على الكثير مما سنواجهه، فحمل الدعوة والاستقامة عليها، وكسب النصر في الله ليس سهلا، ولعل الصلة بين معاني الفقرة لا تخفى على المدقق، فأهل الكتاب بخلوا، والسبب هو الدنيا، وآذوا المسلمين، وكان المفروض أن يؤمنوا بما آمن به المسلمون لأن هذا مقتضى الميثاق المأخوذ عليهم بالبيان. والصلات في الفقرة أوسع وأعمق وأبعد.
هناك ناس يبخلون، فما السر في بخلهم: إن السر في بخلهم اعتقاد فاسد ونسيان للموت، فهم يعتقدون أن الله هو المكلف برزق الفقراء، وذلك أثر عن عدم الإيمان بالرسل، فالبخل في أرضيته الواسعة يعود إلى مثل هذا، لذلك استطردت الفقرة إلى هذه الشئون. ثم إن من أسباب البخل نسيان الموت، ونسيان الحساب والجنة والنار، لذلك جاء في السياق كلام عن ذلك. وبسبب من هذا فالبخلاء يشكلون كتلة اقتصادية تستند إلى أرضية اعتقادية، وهم كتلة في مقابل الكتلة الإيمانية، والصراع بين الكتلتين سيترتب عليه ابتلاء وإيذاء لأهل الإيمان، ومن ثم جاء كلام عن ذلك.
وكأصل لعلة البخل، وكأصل لتكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، يأتي موضوع كتمان الكتاب من أهل الكتاب، ولذلك تختم الفقرة بهذا المعنى، ولكن آية الكتمان هنا تأتي بعد الآية التي تذكر الابتلاء والإيذاء، فكأنها في الوقت نفسه تقول:
أيها المؤمنون احذروا أن يمنعكم الابتلاء والإيذاء من أن تظهروا حكم الله وتبينوه.
وهكذا تجد أكثر من وشيجة تربط بين آيات الفقرة.
ولنتذكر الآن شيئا، كنا في مقطع الصبر من سورة البقرة ذكرنا الحكمة في مجئ آية