الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعقيدته، وإيمانه، وكيانه! وهو وهم كبير. فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يتخاذل ويتقهقر، ويرتد إلى الوراء، والذي لا يكافح الكفر والشر والضلال والطغيان لا بد أن يتخاذل، ويتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان! والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين، والاستماع إليهم، والثقة بهم، يتنازل- في الحقيقة- عن عقيدته، وأن يستمع إلى وسوستهم، وأن يطيع توجيهاتهم .. الهزيمة بادئ ذي بدء. فلا عاصم له من الهزيمة في النهاية، والارتداد على عقبيه إلى الكفر، ولو لم يحس في خطواته الأولى أنه في طريقه إلى هذا المصير البائس .. إن المؤمن يجد في عقيدته، وفي قيادته، غناء عن مشورة أعداء دينه وأعداء قيادته. فإذا استمع إلى هؤلاء مرة فقد سار في طريق الارتداد على الأعقاب .. حقيقة فطرية وحقيقة واقعية، ينبه الله المؤمنين لها، ويحذرهم إياها، وهو يناديهم باسم الإيمان:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. اهـ.
كلمة في السياق:
لقد جاءت مقدمة القسم الخامس وهي نفسها مقدمة المقطع الأول، وفيها نهي عن طاعة الكافرين، وإعلام بولاية الله لنا، ونصرته إيانا، وفيها وعد بإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا، وهي معان مرتبط بعضها ببعض، فكثيرا ما يحدث أن يتوهم المتوهمون أن الكافرين غالبون، وأن في قلوبهم خيرا، وأننا نحتاج إلى نصرتهم وتوليهم، فجاءت الآيات تنهى عن طاعتهم، وتبين أن الله هو المولى وهو الناصر، وأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فمعاني المقدمة إذن متلاحمة مترابطة، وبعد المقدمة تأتي فقرة تتحدث عما حدث يوم أحد، فما الصلة بين الفقرة وبين ما سبقها؟ في المقدمة وعد بالنصر، وقد حدثت يوم أحد هزيمة فما السبب؟ نلاحظ أن الفقرة تبدأ بقوله تعالى وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وإذن فبين الفقرة اللاحقة والآيات السابقة صلة، هذه الصلة يكشفها لنا السياق شيئا فشيئا، ففيها يأتي تعليل لما حدث يوم أحد، مما نستبين منه أن وعد الله لنا بالنصر، والمعونة، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا، معلق بشروط فلنر ذلك من خلال السياق.
المعنى الحرفي للفقرة:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ الحس: القتل، ووعد الله:
موعوده للمؤمنين بالنصر من مثل قوله تعالى وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ.
ومن مثل قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ومعنى الآية. ولقد صدقكم الله وعده بالنصر والغلبة يوم أحد، إذ كان عدوكم ثلاثة آلاف، وأنتم ما بين الستمائة إلى السبعمائة، إذ تقتلون أعداءكم قتلا ذريعا بتسليط الله إياكم عليهم، قال ابن عباس: وقد كان النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المشركون جولة نحو الجبل (أى هاربين). وقال الزبير بن العوام رضي الله عنه كما يرويه ابن إسحاق:«والله لقد رأيتني انظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب» . فهذا تحقيق قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي: حقق لكم ما وعدكم به، وهذا جواب تساؤل. قال النسفي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل (أي هذه الآيات وما بعدها). وقبل أن نبدأ باستعراض الأسباب التي أدت إلى الهزيمة، نحب أن نذكر فكرة سريعة تكون كمقدمة للدروس التي سنأخذها من هذا السياق من خلال عبرة أحد:
فى معركة بدر انتصرت القلة على الكثرة، رغم تفوق الكثرة على القلة بالعدة والعتاد، والعبرة التى نأخذها من هذا أن قوانين النصر المادية من تفوق بالعدة والعدد والتدريب والسلاح والقيادة، وفن القتال، وأمثال ذلك، لا تعمل عملها إذا وجد جند الله، ولا يعني هذا أن جند الله يهملون!، لا بل عليهم أن يبذلوا جهدهم في كل شئ، ويدخلوا المعركة متوكلين على الله ليظهر الله فيهم سنته الأخرى؛ إذ وجد جنده، حيث ينصر جنده على تخلف عندهم في عالم الأسباب، مع عدم تقصيرهم في الأخذ بها، ومع عدم اعتمادهم عليها. ولكن هذا متوقف على توفر شروط الجندية الكاملة لله، من قيادة ربانية، وجند رباني، وطاعة في الله، وتقوى خاصة وعامة وغير ذلك مما سنراه.
وفي معركة أحد تخلف عن جند الله النصر بعد أن أعطوه في ابتداء الأمر لخلل- كما سنرى- في الانضباط والنيات. فحلت بهم الهزيمة، فدل ذلك على أن وعد الله للمؤمنين بالنصر مشروط بقيام المؤمنين بأوامر الله في كل شئونهم. ومن ثم فقد تركت هاتان المعركتان آثارهما في نفوس المسلمين إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض.
فما من معركة بعد هاتين المعركتين إلا وعبرتاهما ماثلتان: حقق أمر الله فيك، وقاتل العالم، وإذا لم تفعل فليس لك قبل بأحد، لأن العالم في القوانين المادية أقوى منك،
فلنتذكر هذا ولنرجع إلى السياق حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي جبنتم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي: اختلفتم في التنفيذ الكامل لأمر رسولكم، إذ أقام الرماة منكم على الجبل وقال لهم:«احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا» فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأناخوا عسكر المشركين، قال بعض الرماة: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا، فادخلوا عسكر المشركين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم. وقال بعضهم: لا تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أمير الرماة عبد الله بن جبير، ومعه نفر دون العشرة، والملاحظ أن الخطاب لجميع المسلمين مع أن الذين تنازعوا هم الرماة فقط، مما يدل على أن الخلل الذي تحدثه مجموعة يسري على الصف كله ومن ثم ينبغي أن يكون الجميع على الغاية في التربية وَعَصَيْتُمْ أي أمر نبيكم بترككم مراكزكم، واشتغالكم بالغنيمة. مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من الظفر وقهر الكافرين. ثم بين علة العصيان فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الذين يريدون الدنيا: هم الذين تركوا مراكزهم من الرماة، ورغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة. والذين يريدون الآخرة: هم الذين ثبتوا في مراكزهم. فصار المعنى العام في الآية: ولقد حقق الله وعده لكم بالنصر، حتى إذا جبنتم، واختلفتم في تنفيذ الأمر، وعصيتم أمر رسولكم، بسبب خلل نيات بعضكم بأن لم تتمحض للآخرة، منعكم الله نصره. أو المعنى: ولقد حقق الله لكم وعده إلى وقت فشلكم وتنازعكم وعصيانكم، فمنعكم بسبب ذلك نصره. قال: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي: ثم كف معونته عنكم فغلبوكم، وعبر بالصرف على أن الأمر أمره.
لِيَبْتَلِيَكُمْ. أي: ليختبركم ويمتحنكم بامتحان صبركم على المصائب وثباتكم عندها، مع علمه- عز وجل ولكن عدله اقتضى أن يجازي العبد على ما يعمله لا على ما يعلمه منه. وإذ كان ما حدث هو التجربة الأولى، والخطيئة الأولى من نوعها، فإنه- عز وجل عامل أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم بالفضل فقال: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ هذه بشارة من الله لهم، ويدل ذلك على أنهم ندموا وتابوا على ما فرطوا وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بعدم تسليط الكافرين عليهم ليستأصلوهم، وعدم متابعة الكافرين القتال حتى ينهوا أمر المسلمين، وبالعفو وقبول التوبة، وبغير ذلك من أنواع فضله التي لا تحصى، فهو- جل جلاله متفضل على المؤمنين في جميع الأحوال، سواء أديل
لهم، أو أديل عليهم، غلبوا أو غلبوا، ومن نظر إلى الأمر بعين الحكمة، وبعين مريد الآخرة، علم أن الابتلاء رحمة، كما أن النصرة رحمة،
ثم بين الله- عز وجل كيف تم الصرف الذي ذكره بقوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ فقال إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ هذا تصوير حالهم في الهزيمة بمنتهى الاختصار، وبأبلغ تصوير. فما أعظم إعجاز هذا القرآن، ولنر ما حوى هذا الوصف:
معنى تصعدون: أي تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإصعاد: الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيه. وبعضهم فسر الإصعاد: بصعود بعضهم إلى جبل أحد فرارا، والواقع يدل على الأول. قال السدي: لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة. ومعنى قوله وَلا تَلْوُونَ أي: ولا تلتفتون على أحد، وهو تعبير عن مدى انهزامهم وخوفهم من عدوهم. وقوله تعالى: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي: في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة، وهذا يفيد أنهم خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، وأنه عليه السلام لم يفر، بل كان- وهو في هذه الحالة- يدعوهم إلى ترك الفرار، وإلى الرجعة والعودة والكرة، كما ورد في السيرة أنه عليه السلام كان يناديهم «إلي عباد الله، إلي عباد الله» . فصار المعنى العام: ولقد صرفكم الله عنهم بعد نصره لكم عليهم، فأصبحتم بعد النصر ممعنين في الهرب منهم في كل صعيد من الأرض، لدرجة أن الواحد منكم لم يعد يلتفت على أحد قريب أو بعيد، حبيب أو عظيم، وخلفتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة وهو يدعوكم ولا تستجيبون، إلا من ثبت معه وهم قليل. هذا حالكم بعد النصر، وكل ذلك إنما كان بسبب الخطأ الذي ارتكب:
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي: فجازاكم بالهزيمة وتوابعها، وهذا هو الغم العظيم، بسبب غم وقعتم فيه، وأذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفتكم أمره. ويمكن أن يكون المعنى فجازاكم الله بغم بعد غم، وغم متصل بغم، من الجرح، والقتل، وظفر المشركين، وفوت الغنيمة، والنصر. وأعظم غم أصابهم سوى هذا كله، ما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كله بسبب الصرف الذي سببه الجبن، والاختلاف، والعصيان، بسبب عدم خلوص نية بعضهم، إذ لم تتمحض للآخرة، فهذه العلة الكبرى قال ابن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثم بين الله-
عزّ وجل- حكمته البالغة فيما حدث وهو: تمرين المسلمين وتدريبهم على تحمل المصائب، وعدم الجزع لها، وعدم المبالاة بالفائت، فقال: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ. جرعكم الغموم لئلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع. وقال ابن كثير:
أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم وَلا ما أَصابَكُمْ أي ولا على مصيبة من المضار من مثل ما حدث لكم هنا من الجراح والقتل. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي: عالم بعملكم لا يخفى عليه شئ من أعمالكم. وهذا ترغيب في الطاعة، وترهيب عن المعصية. وإذ تخلف عن المسلمين نصر الله بسبب ما وقعوا فيه، فإن رحمة الله بالمؤمنين، وتوليه لهم، موجودة، فهم عباده، ولئن منعهم أو سلط عليهم، فلتأديبهم.
ومن مظاهر توليه ورحمته ما ذكره الله- عز وجل بعد ما مر. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً. أي: ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. والمعنى أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة.
ويبدو من السياق أن هذا قد كان بعد المعركة وقبل النفير الذي أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني كما سنرى. ولكن بعض الروايات التي سننقلها في قسم الفوائد، تذكر أن النعاس أصاب المسلمين ليلة المعركة، ويمكن أن يكون النعاس قد أصابهم مرتين، مرة ليلة المعركة ليواجهوا المعركة مستريحين، ومرة بعد
المعركة لينسوا آثارها. والذي يدل على أن المراد بالنعاس هنا ما أصابهم بعد المعركة مجئ كلمة (ثم) التي تفيد الترتيب دون التعقيب، وقول المنافقين الآتي: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا فكلامهم هذا إنما كان بعد ما حدث للمسلمين من قتل في المعركة يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أي: هذا النعاس يغشى قسما من المسلمين: وهم أهل الإيمان، واليقين، والثبات، والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله- عز وجل سينصر رسوله، وينجز له مأموله. وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ هم المنافقون لا يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها، لا هم الدين، ولا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا هم الجماعة المسلمة، فهؤلاء لا يغشاهم النعاس من القلق، والجزع، والخوف. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به، فهم يظنون ألا ينصر رسوله وجنده. ظنوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة. ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي: الظن المختص بالملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، أي: لا يظن مثل ذلك الظن، إلا أهل الشرك الجاهلون بالله تعالى:
يَقُولُونَ أي: أهل النفاق والريب في تلك الحال. هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي: هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والغلبة، والسلطان والسيطرة والعز، والجاه، والمنافع. فقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي: قل إن الغلبة، والنصر، والسلطان، كله لله؛ يعطيه من شاء، ويمنعه من شاء.
وقد وعد أولياءه أن تكون لهم العاقبة.
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ خوفا ورهبة كما قال تعالى في المنافقين.
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ (الحشر: 13) ثم بين هذا الذي يخفونه في أنفسهم، ويبدونه لبعضهم. يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان الأمر كما قال محمد صلى الله عليه وسلم. إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وأن أولياءه هم الغالبون، لما غلبنا قط، ولما قتل منا من قتل في هذه المعركة. روى ابن إسحاق عن الزبير رضي الله عنه قال:
لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا لقول معتب، ورواه ابن أبي حاتم. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي: هذا قدر قدره الله- عز وجل وحكم حتم لا محيد عنه، ولا مناص منه. فمن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة، كما كتب ذلك فى اللوح المحفوظ لم يكن بد من قتله. فلو قعدتم في بيوتكم لبرز من بيوتهم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، أي إلى أمكنة مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون. والمعنى: أن الله كتب في اللوح المحفوظ قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم. وبعد أن ذكر الله- عز وجل نموذجا من كلام المنافقين، وبين دخيلة أنفسهم، بين بعد هذا أن من جملة الحكم فيما حدث يوم أحد للمسلمين اختبار ما في الصدور، وتمحيص ما في القلوب، وهو أعلم فقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي فعل ذلك ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان، وذكر الواو في ابتداء بيان الحكمتين يشعر بأن مع هاتين الحكمتين حكما أخرى. فالمعنى إذن فعل ذلك لمصالح جمة، وللابتلاء والتمحيص الذي هو التمييز. نفهم من ذلك أنه يستخرج ما