الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الشورى عن المؤمنين وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ مذكور بين الصلاة والزكاة، وهما فريضتان، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بالنسبة لغيره.
وإذا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو خلفاؤه، أو أمراء المسلمين، فهل النزول على رأي الأكثرية واجب أم لا؟ وهذه مسألة عصرنا التي طرحها بعضهم تحت عنوان: هل الشورى ملزمة أم معلمة، فيما لا نص فيه مما يدخل في دائرة الاجتهاد الحياتي؟ والذي أراه في هذه القضية أن الشورى إذا أعطيت لأهلها، فإن رأي أكثريتهم في هذه الحالة ملزم. ويشهد لهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد لأبي بكر وعمر «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» ، وما رواه ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم» ولم يعرف قط أن خليفة راشدا طرح مسألة على الشورى ثم ترك رأي الأكثرية إلا في قضية اتضح له فيها نص، كما فعل أبو بكر في موضوع الردة، ويشهد لما ذهبت إليه قول الحنفية: ويجب طاعة الأمير إلا إذا
رأى الأكثر أنه ضرر فيتبع.
والأمير الذي يعطل الشورى أو لا يعطيها لأهلها، أو لا ينزل على رأي أكثرية أهلها أمير لا يقود إلا إلى الدمار. على أن للأمير أن يطرح أمرا ما على دائرة أوسع أو أعلى حال الاختلاف إذا كان بالإمكان ذلك.
4 -
قال النسفي: «في الحديث: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ومعنى شاورت فلانا: أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي. وشرت الدابة: استخرجت شريها، وشرت العسل: أخذته من مأخذه، وفيه دلالة جواز الاجتهاد، وبيان أن القياس حجة» اهـ.
وإذن فأدب المسلم الاستشارة، وأدب القائد الاستشارة، وأدب الخليفة الاستشارة، ومن ثم قال عليه السلام مؤدبا من يستشار «المستشار مؤتمن» وهو حديث حسن رواه أبو داود وغيره وقال:«إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه» رواه ابن ماجه.
كلمة حول محل هذه الآية في السياق:
هذا المقطع كله في سياق قصة أحد، ودروسها، وفي سياق عدم متابعة الكافرين في الحسرة على من يقتل أو يموت؛ تصورا منهم أن القتال أو غيره يقرب أجلا. وقد
جاءت هذه الآية في هذا السياق، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما وصفته الآية وقد اتخذ قراره بعد مشاورة، ثم أقدم متوكلا على الله، فكيف يحق لمسلم أن يتحسر على نتيجة.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصف الله- عز وجل، وقد شاورهم يوم أحد، ونزل على رأي أكثريتهم، ثم أمضى الشورى وكان ما كان، فلا مجال بعد ذلك لحسرة على شهيد، وإنما هي أثر عن تصور كفري للموت والحياة. وإذ يكون وراثه من بعده على قدمه، فأي قرار اتخذوه بعد الشورى ونفذ، فإنه لا ينبغي أن يكون تحسر على ما يكون من بعد، بل تسليم لله، فهو الولي في الأمر كله.
وبعد الأمر بالشورى، وبعد الأمر بعدم الحسرة على ما يكون من نتائج تأتي آية تقرر قاعدة، وتأمر أمرا. أما القاعدة فهي قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أي: فلا أحد يغلبكم، ولو تواطأ العالم عليكم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي: يحجب عنكم نصره فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد خذلانه أي من بعد ترك معونته.
وأما الأمر فهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض؛ لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يقتضي ذلك.
القاعدة دلت على أن الأمر كله لله، والأمر بني على ما تقتضيه القاعدة، ومجئ هذه الآية بعد الآية السابقة أن النصر والخذلان من عند الله، ومجئ هذه الآية في سياق المقطع يشير إلى أن المسلم عليه أن يعرف أن نتائج الأعمال بيد الله، فمهما كان من أمر فالأمر أمره، وعليه فينبغي أن يتصف بالتوكل في كل حال، حال النصر أو الخذلان، حال القتل، أو حال السلامة،
ثم يعود السياق بعد هذه الآية إلى وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن الخيانة بعد أن وصفه في ما قبل الآية السابقة بما وصفه به. فقال:
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ الغلول: هو الأخذ خفية، والمعنى أن النبوة تنافي الغلول، والغلول خيانة، وكذلك فسرها ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد، فقالوا في تفسيرها: ما ينبغي لنبي أن يخون، قال ابن كثير: وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه، من جميع وجوه الخيانة، في أداء الأمانة، وتقسيم الغنيمة، وغير ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في تفسيره: «بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغ أمته» ، والنبي معصوم عن ذلك كله.
وسبب النزول يحدد المعنى الأول، إذ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي يخون، وروى مثله غيره.
والصلة بين هذه الآية ومقطعها من أكثر من وجه. فالمقطع يبين ما ينبغي أن تكون عليه أخلاق المؤمنين بعد المعركة في مواقفهم مما يحدث لإخوانهم من قتل.
وهذه الآية تبين أمانة المؤمنين بعد المعركة في الغنيمة بأمانة سيدهم وقدوتهم.
وهناك صلة أخرى وذلك أن الذي دعا الرماة إلى النزول عن الجبل ومخالفة الأمر؛ الغنائم، ولا مبرر لذلك إذ ما دام حقهم سيصل إليهم بمنتهى الدقة، فلا مبرر للهلع لتصور أن يفوت بعضهم شئ. ولعل لهذا المدرك اللطيف،، فسرها حبر هذه الأمة ابن عباس فقال: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضا، ويمكن أن تكون الصلة بنوع من العطف بعيد لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولا تَغْلُوا* لأن الغلول لا يصح أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأتباعه. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: ومن يأخذ شيئا غلولا يأت بالشئ الذي غله بعينه، حاملا له كما ورد في كثير من الأحاديث، أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: ثم تعطى كل نفس جزاءها وافيا دون أن تنقص شيئا، فكل يعطى جزاءه على قدر كسبه، والله ذو فضل. ودخل في هذا التهديد الشديد كل كاسب من الغال وغيره، والتهديد في حق الغال أشد، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص مع عظم ما اكتسب.
وبعد أن نهى الله عن أخلاق للكافرين، ووصف أخلاق المؤمنين من خلال وصف أخلاق سيدهم، بين أن هؤلاء وهؤلاء لا يستوون، ليرفع همم أهل الإيمان إلى ما ينبغي.
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ باتباع ما يوصل إلى هذا الرضوان كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي: كمن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، وهم المنافقون والكفار. وَمَأْواهُ
جَهَنَّمُ
أي: منزله. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: وبئس المرجع والمآل جهنم.
هُمْ أي: أهل الخير وأهل الشر. دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي:
منازل، يعني هم متفاوتون في منازلهم، درجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، أو هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، أو هم ذوو درجات بحسب تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين، أو بحسب تفاوت الثواب والعقاب. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي:
عالم بأعمالهم وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا، ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله. وكما من الله على المؤمنين برحمة رسوله صلى الله عليه وسلم لهم، ولينه لهم، يمن عليهم هنا برسالته، وأعظم المن في ذلك على العرب؛ ومجئ هذه الآية في هذا السياق، تذكير بالنعمة في مقامها، إذ المقام مقام إبعاد عن أخلاق الكافرين، وتصوراتهم، وأقوالهم التي يعني السير فيها كفرانا لنعمة الله ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم.
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عامة والعرب خاصة؛ بدليل ما بعده، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالبعثة إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله، ومجالسته، والانتفاع به، ولكن ما المراد بالجنس التي فسرنا بها كلمة الأنفس؟ هل المراد بها الجنس البشري، أو المراد بها الجنس العربي؟ فيكون المعنى: من جنسهم عربيا مثلهم أو المراد بقوله مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من ولد إسماعيل لما أن أشرف العرب من ولده.
والمنة على الوجه الأول، أي: بكون الرسول من البشر من حيث إمكان الاقتداء به، وسهولة مخاطبته، ومراجعته، والتعرف على حاله. والمنة على الوجه الثاني: أي: في كونه عربيا بالنسبة للعرب، زيادة على ما مر من حيث كون اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه. والمنة على الوجه الثالث: زيادة على ما مر من حيث كونه من أشرف العرب، فيسهل ذلك على الأنفس المتابعة، والمنة لله على خلقه عامة ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى العرب أشد، وعلى بني إسماعيل وقريش أبلغ. فما أفظع كفر من يكفر من قريش، أو من العرب، أو من المؤمنين بعد كمال المنة، فيتابع الكافرين في أقوالهم، أو أفعالهم، أو أحوالهم، أو تصوراتهم، ثم عدد الله مظاهر النعمة بالرسالة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي القرآن بعد أن كانوا في جاهلية لم يطرق أسماعهم شئ من الوحي، وهذا على القول بأن المراد إظهار المنة بالرسالة على العرب. وعلى القول بأن المراد جنس البشر يبقى المراد هو القرآن. والمنة بآياته من حيث كونها تذكيرا لهم بالله من خلال قرآنه المعجز وَيُزَكِّيهِمْ أي ويطهرهم بالإيمان والإسلام والإحسان، والتربية بالقول والعمل، والقدوة، والحال من كل دنس، وخبث، اعتقادي، أو أخلاقي، أو سلوكي، أو غير ذلك وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي القرآن والسنة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي:
من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: لفي عمى وجهالة وغي ظاهر جلي بين لا شبهة فيه. وهذا يرجح أن الخطاب والآية يراد به العرب خاصة، لأن من بقايا أهل الكتاب من كان قبل بعثته عليه الصلاة السلام على علم، وعلى هدى، ولكن الخطاب وإن أريد به العرب خاصة هنا، فإنه يدخل فيه غيرهم ممن هو مثل حالهم. ولعل
الحكمة في قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هو تعميم التوجيه لكل من أصبح من هذه الأمة؛ إذ من أصبح من هذه الأمة كان له شرف النسبة إلى الرسول العربي، وشرف النسبة إلى جيل هذه الأمة الأول وهو عربي عامة.
وعلى كل الأحوال فالمنة ظاهرة على العرب ببعثة هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وبمناسبة هذه الآية يقول صاحب الظلال: كان الإسلام بخصائصه هذه هو «بطاقة الشخصية» التي تقدم بها العرب للعالم، فعرفهم، واحترمهم، وسلمهم القيادة. وهم اليوم وغدا لا يحملون إلا هذه البطاقة. ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم. وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم؛ وإما أن ينبذوها فيعودوا هملا- كما كانوا- لا يعرفهم أحد، ولا يعترف بهم أحد! وما الذي يقدمونه للبشرية حين لا يتقدمون إليها بهذه الرسالة؟ يقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق، تنحني له الجباه، ويغرقون به أسواقها، ويغطون به ما عندها من إنتاج؟ لقد سبقتهم شعوب كثيرة، في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار!.
يقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية، ومناهج اقتصادية وتنظيمية من صنع أيديهم، ومن وحي أفكارهم البشرية؟ إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية.
وتشقى بها جميعا غاية الشقاء!
ماذا إذن يقدمون للبشرية لتعرفهم به، وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز؟
لا شئ إلا هذه الرسالة الكبيرة. لا شئ إلا هذا المنهج الفريد. لا شئ إلا هذه المنة التي اختارهم الله لها، وأكرمهم بها، وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم.
والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها، وهي تتردى في هاوية الشقاء، والحيرة والقلق والإفلاس!
إنها- وحدها- بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديما للبشرية فأحنت لها هامتها.
والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم، فيكون فيها الخلاص والإنقاذ.
إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة. وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة. هي التي تقدم أكبر منهج. وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة.
والعرب يملكون هذه الرسالة- وهم فيها أصلاء، وغيرهم من الشعوب هم
شركاء- فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم؟ أي شيطان؟!
لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول، وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة.
وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان .. وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان؟!.»
ثم يعود السياق بعد هذه الآية إلى المعنى الذي بدأ به المقطع وهو أحد دروس يوم أحد، والمرتبط بما أصاب المؤمنين فيه، والذي يناقش قولة الكافرين ويردها. لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
…
وكما قلنا، لقد اعترض ما بين بداية المقطع ونهايته بالآيات التي رأيناها، والتي بدأت بالتذكير بنعمة، وختمت بالتذكير بنعمة.
وكلتا النعمتين في موضوع الرسالة والرسول، ليتخلص المؤمنون من هذا التصور الكاذب الفاسد في فهم ما حدث، وما يحدث من أمثاله للمسلمين في معاركهم. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يوم أحد من قتل سبعين منكم قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها. أي: يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. قُلْتُمْ أَنَّى هذا. أي: من أين جرى علينا هذا.
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. أي: أنتم السبب، أي: ما أصابكم كان بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم ألا تبرحوا من مكانكم، فعصيتم يعني بذلك- الرماة- إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ولا معقب لحكمه. يقدر على النصر وعلى منعه، وقد منعكم نصره في أحد، وأعطاكم إياه في بدر. منعكموه الآن عدلا، وأعطاكموه قبل فضلا، والاستفهام في قوله تعالى:
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ .. في الآية يراد به التقرير والتقريع كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا. وإذا تذكرنا بداية المقطع لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ .. علمنا أن المقصود الرئيسي في المقطع هو تصحيح التصورات للجماعة المسلمة في موضوع القتال، وآثاره السلبية من خلال وقعة أحد.
وبعد الآية السابقة، تأتي آية تؤكد الحكمة التي مرت من قبل وتبينها ليتوصل منها إلى كلام المنافقين، الذين لا يدركون حكم الله فيما يفعل، والذين يشبه كلامهم كلام الكافرين الذي ابتدأ به المقطع، ليرده وليبين أن الكفر والنفاق شئ واحد وليسجل خلال ذلك الموقف الشائن للمنافقين قبل المعركة إذ انفصلوا عن المؤمنين، فقال مبينا هذا كله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي: جمعكم وجمع المشركين في أحد، والذي أصابكم فيه هو فراركم بين يدي عدوكم، وقتل جماعة منكم، وجرح
آخرين فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي: فبعلمه وقضائه وقدره، فسلموا لله في ذلك، لأن أفعاله كلها حكمة. ثم بين بعض الحكمة في ما حدث، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا. أي: وما أصابكم فكائن بإذن الله، وكائن ليتميز المؤمنون من المنافقين، وليظهر إيمان هؤلاء، ونفاق هؤلاء، إيمان المؤمنين بصبرهم وثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم، ونفاق المنافقين بمواقفهم وأقوالهم: وَقِيلَ لَهُمْ
…
أي:
للمنافقين تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أي: جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، أَوِ ادْفَعُوا أي: قاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة! وفسر آخرون الدفع في هذا المقام: بتكثير السواد. أي: أو ادفعوا العد وبتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا! لأن كثرة السواد مما تروع العدو.
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ أي: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لا تبعناكم.
وقولهم هذا يحتمل معنيين: إما أنهم يريدون أنه لا قتال أصلا، ويحتمل أنهم أرادوا أن هذا النوع من القتال ليس قتالا، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة.
قال النسفي: يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة. والمعنى الأول هو الذي يشير إليه كلام أهل السير، وذلك أن المنافقين وقحون لا يبالون أن يقولوا الكلمة التي تنقضها كل الوقائع. روى محمد بن إسحاق في سيرته بسنده عمن ذكر: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ قال النسفي: يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم، واقتربوا من الكفر. أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين.
وقال ابن كثير: استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ أي: يظهرون خلاف ما يضمرون، والله يعلم أسرارهم.
وهذه طبيعة المنافق يتظاهر بشيء ويبطن شيئا، يقول القول ولا يعتقد صحته، ومن ذلك كلامهم السابق؛ فإنهم يعرفون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين؛ بسبب ما أصاب أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، فالقتال كائن لا محالة، ومع ذلك ادعوا أنه لا قتال،
ثم وصفهم الله بأنهم الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي: لأجل إخوانهم، أي: عن إخوانهم- في الصورة- ممن قتل يوم أحد وَقَعَدُوا أي: قالوا وقد قعدوا عن القتال لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا أي: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود، ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل. ويبدو- والله أعلم- أنهم يريدون بإخوانهم هنا من قتل من الأنصار. قال تعالى: ردا عليهم قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت،
فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. أو المعنى:
إن كنتم صادقين بأن الحذر ينفع من القدر، ويدفع الموت، فادفعوه عن أنفسكم، ولن تستطيعوا. أو المعنى: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع الموت سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا. والملاحظ أن كلامهم هذا يشبه كلام الكافرين الذي نهى الله عنه في أول المقطع بقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا وهذا يشعر أن المنافقين كافرون. وفيه تعرية للمنافقين، وتدليل عليهم من كلامهم.
ومن ثم ندرك كيف أن سورة آل عمران تفصيل لمقدمة سورة البقرة.
لقد تحدثت مقدمة سورة البقرة عن المتقين المؤمنين، وعن الكافرين، وعن المنافقين، وهذا المقطع زادنا بيانا في أخلاق الكافرين، وصفاتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وزادنا بيانا في أخلاق المنافقين، وكلامهم، ومواقفهم، وصفى تصورات أهل الإيمان، وعرفهم على مزيد من نعمه عليهم؛ بما من عليهم من رسوله عليه الصلاة والسلام وعرفهم على كثير مما ينبغي أن يفعلوه ويتأدبوا به.
وصلة المقطع بما قبله مباشرة واضحة، فالكلام فيه استمرار للكلام عن دروس