الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولنتذكر الآن- ولنا عودة على الموضوع- أن صلاة الخوف قد ذكرت في سورة البقرة في سياق الكلام عن شئون المرأة وطلاقها، ووفاة زوجها عنها. والملاحظ أن المقطع اللاحق لهذا المقطع يأتي فيه كلام عن المرأة والطلاق، وهذا يذكرنا بالقاعدة التي اعتمدناها أن لكل سورة محورها من سورة البقرة، وأن السورة تفصل فى هذا المحور، وفي امتداداته في نفس سورة البقرة. وهذا الذي اتجهنا إليه سنرى ما يؤكده في هذا التفسير شيئا فشيئا، ولا زلنا نعتبر أن ما نذكره هو بمثابة شواهد
يتكامل معها الدليل شيئا فشيئا.
المعنى العام:
يأمر الله- عز وجل في هذا المقطع عباده المؤمنين إذا قاتلوا في سبيله أن يتبينوا، إذا قاتلوا أو قتلوا، وينهاهم إذا أعلن لهم أحد إسلامه أن يرفضوا إعلانه رغبة منهم في تحصيل عرض من الدنيا بقتله ليأخذوا ماله، ووعدهم الله- عز وجل مغانم كثيرة يؤتيهم إياها من فضله. ثم ذكرهم بأنهم كانوا في يوم من الأيام يسرون إيمانهم، فإذا وجدوا إنسانا يسر إيمانه بين قومه، حتى إذا جاءوا هم أظهره لهم، فكيف يقتلونه، ثم جدد لهم الأمر بالتبين والتثبت إذا قاتلوا أو قتلوا، ثم هددهم بأنه يعلم الظواهر والخوافي فلا يخالفوا. ثم بين الله- عز وجل أن المجاهدين لا يستوون عنده مع القاعدين إلا إذا كان قعودهم أثرا عن ضرر كمرض، أو عرج، أو عمى، وأنه- عز وجل فضل المجاهدين على القاعدين، ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنات العاليات ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما.
وبعد أن أمر الله- عز وجل بالتبين في الجهاد مراعاة لحال من يكتم الإيمان بسبب من الأسباب، ومن جملة ذلك إقامته بين الكفار، فقد بين الله- عز وجل حكم الإقامة بين الكفار ليرفع همم أهل الإيمان إلى الهجرة.
ومن ثم فقد بين الله- عز وجل أن من أقام بين ظهراني الكفار، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، ومرتكب للحرام بإجماع المسلمين، وبنص ما ذكر في هذا السياق من كون أمثال هؤلاء عند ما تتوفاهم الملائكة تعنفهم سائلة إياهم لم مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ فيعتذرون بعدم قدرتهم على الخروج أو الذهاب في الأرض، فترد عليهم الملائكة حجتهم أن أرض الله واسعة،
وكان باستطاعتهم الهجرة، وبناء على تقصيرهم هذا فإن الله قد حكم عليهم بالعذاب في نار جهنم، ثم أخرج الله- عز وجل من هؤلاء المستضعفين حقيقة، كالنساء والأولاد. فهؤلاء لا يقدرون أن يتخلصوا من أيدي الكافرين، ولو قدروا ما عرفوا أن يسلكوا طرق الهجرة، فهؤلاء عسى الله أن يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة، إذ هو عفو لمن يستحق المغفرة والعفو، ومشيئته مع هذا مطلقة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
ثم حض الله- عز وجل على الهجرة، ورغب فيها، وحرض إليها مبينا أن المؤمن حيثما ذهب وجد مندوحة وملجأ يتحصن فيه، ويراغم به أعداء الله، ورزقا واسعا، ووعد من يخرج من منزله بنية الهجرة فيموت في أثناء الطريق، أن يعطيه ثواب من هاجر، وذلك من كمال مغفرته ورحمته.
فإذا وصل السياق في هذا المقطع إلى نهاية هذه المعاني ينتقل السياق إلى بيان قضايا متعلقة بالصلاة أثناء الهجرة والحرب، وكالعادة في شأن آيات القرآن إذا نظر إليها من خلال السياق، تعطي معاني، وإذا نظر إلى كل كلمة منها في محلها فإنها تفيد معاني تكمل تلك، وذلك من إعجاز هذا القرآن. وقبل أن نستعرض ما ورد من معان حول الصلاة في هذا السياق نذكر بما ذكر قبله: أمر الله المسلمين بالتبين إذا قاتلوا أو قتلوا في سبيل الله، حتى لا يقتلوا مؤمنا، ولكي لا يوقفهم التبين عن الجهاد بين الله فضيلة الجهاد ليجمع المسلمون بين الجهاد والتبين؛ حتى لا يعطلوا الجهاد بحجة التبين، ولما كان التبين لصالح المسلمين المقيمين بين ظهراني الكافرين، فقد حذر هؤلاء من المقام بين ظهراني الكافرين، وأمرهم بالهجرة إلى دار الإسلام، وأوجبها عليهم، وهي قضية ستتضح معنا أثناء التفسير الحرفي وفوائده، وبمناسبة الجهاد والهجرة، فقد ذكر أحكاما في الصلاة، منها ما هو مرتبط بالهجرة والسفر، ومنها ما هو مرتبط بالجهاد واحتمالاته.
فبين الله- عز وجل أن المسافر المهاجر له أن يقصر الصلاة مراعاة لوضعه إذ يحتمل أن يلحق به الكافرون، ويفتنوه عن دينه، إذ عداوة الكافرين شديدة واضحة.
ثم بين الله- عز وجل أنه في حالة اللقاء مع الأعداء، فإن للمسلمين أن يصلوا صلاة الخوف التي يجتمع فيها إقامة العبادة والحذر واليقظة بآن واحد، بأن يجتمع مع الصلاة مراقبة العدو والاستعداد بالسلاح، وسنرى تفصيل ذلك في التفسير الحرفي وفوائده. ثم يأمر الله- عز وجل بكثرة الذكر بعد صلاة الخوف، والذكر وإن كان مشروعا