الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه، وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه، إذ البنوة والملك لا يجتمعان. على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وتعالى الله- عز وجل عن أن يكون جسما. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. أي حافظا ومدبرا لهما ولما فيهما. ومن عجز عن كفاية أمر احتاج إلى ولد يعينه، أما الله فهو الذي يحتاج إليه كل شئ، فأنى يكون له ولد؟
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. أي: لن يأنف من العبودية لله وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. أي: الكروبيون أي العرشيون الذين هم حول العرش، وجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. والمعنى ولا الملائكة المقربون يأنفون أن يكونوا عبادا لله، وفي ذلك رد على النصارى ومن عبد الملائكة من العرب. وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ. أي: ومن يترفع عن عبادة الله، ويطلب الكبرياء فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم.
ثم فصل المجازاة فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ. أي: فيعطيهم ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. أي: ويعطيهم زيادة على ذلك من إحسانه وسعة رحمته، وامتنانه وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً وقد فصل الله- عز وجل في ذلك حال المتكبرين عن عبادته، وحال العابدين مع أن المذكور أحد الفريقين. وسبب ذلك أن ذكر أحد الفريقين يدل على ذكر الثاني، وأن ذكر الإحسان إلى النوع الثاني مما يفهم، فكان داخلا في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب عذابين: بالحسرة إذا رأى أجور العاملين، وبما يصيبه من عذاب الله.
فصل في الأناجيل والتثليث:
الأناجيل التي تعترف بها الكنائس منذ زمن بعيد هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ولكن التاريخ يروي لنا أنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى قد أخذت بها فرق قديمة، فعند كل من أصحاب مرقيون، وأصحاب ديصان إنجيل يخالف بعضه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرن تهس. ويذكر التاريخ أمرا أصدره البابا جلاسيوس الأول الذي ابتدأت بأبويته سنة (492) يعدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها وفي عدادها كتاب يسمى إنجيل برنابا، وكل هذه الأناجيل شيء، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام شئ آخر، فهذه قصة حياة فيها بعض الوحي قد اختلط بأشياء كثيرة؛ ولذلك
فإن بعض المحققين من النصارى يقول: «قال اكهارن في كتابه: إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال: إنها الإنجيل الأصلي ..
هذه ترجمة لما قاله نارتن كما نقله عنه الشيخ أبو زهرة، ونحن نجزم بإخبار الله لنا أن المسيح عليه الصلاة والسلام قد أنزل عليه كتاب هو الإنجيل، ولكن أين هو والكنيسة اعتمدت ما لا يصلح للاعتماد، وقضت على كل ما يخالفه، مع ملاحظة ما يقوله شارل جنيبير أستاذ الديانة المسيحية في جامعة باريس من كون العقلية التي سيطرت على النصارى في المراحل الأولى عقلية غير تحقيقية يقول: «فكل ما يمليه اتصال الواحد منهم اتصالا خياليا مباشرة بالروح القدس، يؤخذ قضية مسلمة وفرضا ضروريا على الجميع يؤمنون به إيمانا لا يعلو عليه، بل لا يدانية إيمانهم بالواقع المباشر الذي يمليه التاريخ.
فتلك التعاليم مثلا التي قال القديس بولس أن عيسى أوحى بها إليه روحيا، كانت تبدو له أكثر ثقة ويقينا من كل ما كان يحكيه له صاحبا المسيح: بطرس ويعقوب» هذا كلام بحاثة نصراني فليتصور القارئ أن المسيحية الحالية التي هي أثر من آثار بولس كلها أثر عن دعوى إنسان أن المسيح يتصل به بشكل روحي، ويقول له كل شئ أما المسيحية كما ورثها تلاميذ المسيح وتلقوها منه مباشرة فقد انتهت.
ولننظر نظرة في الأناجيل الأربعة التي يعتمدها النصارى حاليا الإنجيل الأول إنجيل متى: وينسب إلى متى أحد تلاميذ المسيح المباشرين، وهناك خلاف كثير في سنة تدوينه وأهم من هذا أن الأصل ضائع، يقول صاحب ذخيرة الألباب من كتاب النصارى «إن القديس متى كتب إنجيله في السنة (41) للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أو السير وكلدانية، ثم ما عتم هذا الإنجيل أن ترجم إلى اليونانية، ثم تغلب استعمال الترجمة على الأصل الذي لعبت به أيدي النساخ الأيونيين ومسخته، بحيث أضحى ذلك الأصل خاملا بل فقيدا وذلك منذ القرن الحادي عشر» ومن هذه العبارة نفهم أن هناك اختلافا كبيرا بين الأصل والترجمة حتى أتلف الأصل، ولكن من هو المترجم وما هو العصر؟ ويذكر سيف الدين فاضل في مقدمته لإنجيل برنابا أن هناك إنجيل متى الكاذب يبشر بما يبشر به إنجيل برنابا فهل هو الإنجيل الأصيل لمتى؟.
إنجيل مرقس: ومرقس لم يكن من الحواريين وإن كان من تلاميذ المسيح المباشرين، وقد جاء في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار وهو كتاب نصراني: أن مرقس كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذه بطرس الحواري، وقد جاء في ذلك الكتاب عن مرقس
«صنف إنجيله بطلب من أهالي رومية وكان ينكر ألوهية المسيح» وهناك خلاف كثير في زمن تأليفه. ويقول ابن البطريق:- من مؤرخي النصارى- «وفي عصر نارون قيصر كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية ونسبه إلى مرقس» . وهذا وحده كاف لزعزعة الثقة بالرواية فهل بطرس تتلمذ على مرقس؟
وهناك روايات تقول: إن مرقس كتبه بعد وفاة بطرس وبولس وسنرى أن نسبة إنجيلي متى ومرقس لهما لا قيمة لها من الناحية التاريخية؛ لأنه لا يوجد سند صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، ولا باطل إليهما، فهي دعوى محض وإلا فما أسهل أن يقال:
أملى مرقس إنجيله على فلان، وفلان أملاه على غيره، وعلى كل الأحوال فإن الشيخ رشيد رضا ينقل في مقدمته لإنجيل برنابا عن دائرة المعارف الفرنسية أن بولس هو الذي وضع إنجيلي مرقس ويوحنا ونسبهما إليهما، وأما لوقا فمن تلاميذ بولس فهو ليس من تلاميذ المسيح ولا من تلاميذ تلاميذه أصلا، ولذلك فإن هذا الإنجيل يمثل مدرسة بولس التحريفية.
وأما إنجيل يوحنا ففيه دعاوى كثيرة، ولقد جاء في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى ما نصه:«أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري ووضعت اسمه على الكتاب نصا مع أن صاحبه غير يوحنا يقينا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا- ولو بأوهى رابطة- ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليل فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى» .
وقد قال جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه:
وقال يوسف الدبس الخوري في مقدمة تفسيره (من تحفة الجيل):
فالكتاب إذن كتب ليخدم غرض تأليه المسيح عليه السلام وقد برأه الله مما قالوا-
ومع كل ما يقال عن هذه الأناجيل فإن أحدا لا يستطيع أن يثبت بأي سند نسبتها إلى من نسبت إليه، ولذلك قلنا: إنها كلها لا تمثل إلا مدرسة واحدة هي مدرسة بولس التحريفية: فإنجيل لوقا لواحد من تلاميذه، وإنجيلا يوحنا ومرقس منسوبان إليه، وإنجيل متى ضائع والترجمة فيما يبدو ترجمة لمدرسة بولس فالمعروف أن متى بشر في الحبشة، ومن المعروف أن النجاشي كان موحدا، ويؤمن بأن عيسى عبد الله فهذا يؤكد أن الإنجيل الأصلي لمتى ليس هو الموجود حاليا، فأي قيمة تاريخية لهذه الأناجيل خاصة وأن أول إشارة تاريخية لها كانت سنة (209) ميلادية، فإذا عرفنا أنه قبل ذلك الوقت كانت هناك مئات من الفرق المسيحية، وكل فرقة لها رواياتها،
وإذا عرفنا أن هناك تناقضات تبلغ المائة بين هذه الأناجيل، أثبتها جميعها رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه العظيم «إظهار الحق» أدركت أنه لا قيمة تاريخية لهذه الأناجيل ولا قيمة إلهامية، ومن ثم فلا قيمة لما تثبته أو تنفيه إلا إذا جاء شئ يرجح.
ومن أهم السقطات التي نجدها في بعض الأناجيل ادعاء بنوة المسيح لله، وتأليهه، وادعاء التثليث الذي انحدر إلى النصارى عن الوثنيين، وهذه القضايا كلها ترفضها الواضحات من أدلة العقل، والواضحات مما يؤمنون به، وجاء القرآن- المعجزة الخالدة- ليصحح «إنما الله إله واحد» .
يقول سيف الدين أحمد فاضل: «وقد وردت «لا إله إلا الله» في أسفار العهد القديم والجديد (الكتب التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون حاليا) وأبين بعضها فيما يلي:
«لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا ولا تجعلوا في أرضكم حجرا مصورا لتسجدوا له. لأني أنا الرب إلهكم» (سفر اللاويين 26: 1) أي كل حجر مصور لا يمكن أن يكون إلها بل هو وثن.
«الرب هو الإله ليس آخر سواه» (سفر التثنية 54: 35) «اسمع يا إسرائيل
الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك» (سفر التثنية 6: 4، 5) أي: لا تحب إلا الرب بكل ما أعطيت. «فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه» (سفر التثنية 7: 9). فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك. (سفر التثنية 10:
12)، «الرب إلهك تتقي إياه تعبد» - أي: تعبده لا تعبد غيره- «وباسمه تحلف» (سفر التثنية 10: 12) - أي: إذا حلفت فاحلف باسم الله- وفي سفر التثنية 13 - 4 «وراء الرب إلهكم تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون وإياه تعبدون» انظروا الرب إلهكم وراءه تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون» .. «وإياه تعبدون» . «انظر الآن. أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص» (سفر التثنية 39032) - وتعني ليس من يدي مخلص أي: لا شفيع ولا وكيل من دونه «ليس قدوس مثل الرب لأنه ليس غيرك» (سفر صموائيل الأول 2: 3)«لا تحيدوا عن الرب بل اعبدوا الرب بكل قلوبكم. ولا تحيدوا. لأن ذلك وراء الأباطيل التي لا تفيد ولا تنقذ لأنها باطلة» (سفر صموائيل 12: 20، 21).
«لذلك قد عظمت أيها الرب الإله لأنه ليس مثلك وليس إله غيرك» (سفر صموائيل الثاني 7: 22)«أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك» (سفر الملوك الأول 8:
33)، «ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر» (سفر الملوك الأول 8: 60) «الرب هو الله الرب هو الله» (سفر الملوك الأول: 18: 39)، «أصنام الأمم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه لا تتكلم. لها أعين لا تبصر. لها آذان ولا تسمع. كذلك ليس لها في أفواهها نفس. مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها. يا بيت إسرائيل باركوا الرب
…
» (مزمور 135: 15 - 20).
«اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله» (سفر الجامعة 12: 13) - ويقصد ب «الإنسان كله» ما وضحه سليمان عليه السلام من أن الإنسان باطل وكل ما تحت الشمس باطل في إصحاحات سفر الجامعة كلها- «أنا الرب هذا اسمى لا أعطيه لآخر» (سفر أشعياء 42: 8). «إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون.
أنا أنا الرب وليس غيري مخلص» (سفر أشعياء 43: 10، 11)، «أنا الأول والآخر ولا إله غيري» .. «ما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك فأنتم شهودي. هل يوجد إله غيري». (سفر أشعياء 44: 8) «أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي. نطقتك