الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محذوفا بعد قوله تعالى: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ففسرها بقوله (يخوفكم). وفسرها النسفي بأن الشيطان يخوف من يواليه من المنافقين. ومن ثم فإن الخوف يلازم النفاق؛ ثم نهى الله عباده المؤمنين أن يخافوا أولياء الشيطان قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. أي: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تخافوا أولياء الشيطان، بل خافوا الله
وحده؛ لأن مقتضى الإيمان أن يؤثر العبد خوف الله؛ فيطيعه ولا يعصيه ومن خاف الله خافه كل شئ، وسخر له كل شئ؛
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان الناس، وكان يحزنه كفر من كفر فضلا عن كفر من آمن، قال الله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ هذا النهي فيه أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلى هذا الموضوع بعين الحكمة لا بعين الرحمة.
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. أي: إنهم بمسارعتهم للكفر لن يضروا دين الله ولا أولياءه؛ وهذه بشارة عظيمة للمؤمنين؛ فإذا صبروا واتقوا، فإن من يسارع إلى الكفر لن يضر إلا نفسه، وما وبال ذلك عائد إلا عليه، وقد بين الله- عز وجل كيف أن وبال ذلك لا يعود إلا عليه بقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. أي: يريد الله بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة، فالحظ: هو النصيب. ومع حرمانهم من ثواب الله وجنته فإن لهم عذابا عظيما؛ وأي ضرر يضر به الإنسان نفسه أبلغ من هذا الضرر! أن يحرمها جنة الله، وأن يدخلها ناره.
ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ. أي: استبدلوا هذا بهذا لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. أي: لن يضروه أي ضرر، ولكن يضرون أنفسهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عقوبة لهم. وهل الآيتان الأخيرتان في المنافقين، أو في الكافرين كفرا أصليا، أو الأولى في الكافرين، والثانية في المنافقين، أو العكس، أو الأولى في المرتدين، والثانية في الكفار كلهم؟ كل ذلك تحتمله الآيتان. وبهذا نكون قد انتهينا من استعراض المعنى الحرفي للفقرة الأولى من المقطع الثالث. فلننقل بعض ال
فوائد
التي تتعلق بها، وتساعد على فهمها.
فوائد:
1 -
روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب
مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» وهذا أثبت ما ورد في سبب نزول هذه الآية وما بعدها مباشرة.
2 -
روى مسلم في صحيحه عن مسروق قال: «إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فقال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسامنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» أقول: وفي كون أرواحهم في جوف طير خضر كرامة لهم فهذه الطيور في حقهم كالمركوب بالنسبة للإنسان.
3 -
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية» قال ابن كثير في التعليق على هذا الحديث: وكأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة
…
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن، فإن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن مالك
…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» قوله يعلق: أي يأكل. وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يجمعنا على الإيمان».
4 -
روى محمد بن إسحاق عن رجل من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال:
«شهدنا أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، رجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي- أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جراحا منه فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون» اهـ. ففي مثل هذين نزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ....
5 -
بعد ما حدث في أحد، أصبح المسلمون في وضع حرج من عدة وجوه:
سقوط الهيبة العسكرية، احتمال كرة المشركين على المدينة، احتمال جرأة الأعراب والمنافقين واليهود عليهم، هبوط الروح المعنوية عندهم، فكان خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد لاحقا بالمشركين، وبقاؤه فيها ثلاثة أيام، وبلوغ هذا لأبي سفيان، وإلقاء الله الرعب في قلوب المشركين حتى رجعوا إلى مكة بما يشبه الفرار، غسلا لكل آثار أحد.
6 -
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد
جمعوا لكم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» اهـ.
وقال عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه «فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في حديث.
7 -
فسر الفضل في قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ بما مر، وهناك من فسر الفضل بربح تجاري أصابه المسلمون عقب رجوعهم من حمراء الأسد، ومنهم من حمل هذه الآية على غزوة بدر الصغرى إذ إن أبا سفيان واعد المسلمين بدرا من العام القادم يوم أحد، وحاول أن يرهب المسلمين بالإشاعات لعلهم لا يخرجون إلى بدر، فقال المسلمون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وخرجوا إلى بدر، وتخلف المشركون، وابتاع المسلمون من سوقها، وكانت سوقا تجاريا، وربحوا فحمل بعضهم الآية على هذا. والآية يدخل فيها مثل هذا، أما أن يقال: بأن هذا سبب النزول، فإن السياق لا يدل عليه، بل يدل على ما ذكرناه أثناء التفسير.