الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عوامل حصول الإيمان. وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ زكاة الأموال، وزكاة الأنفس.
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مع إيمانهم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله، هؤلاء ممن هذه صفاتهم، الإيمان بالكتب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالله واليوم الآخر يعدهم الله. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً. وبهذا ينتهي هذان المقطعان بتبيان ما أعده الله لأهل الإيمان من الأجر العظيم، بدأ المقطع الأول بالأمر بالإيمان، وختم المقطع الثاني بجزائه ومقتضياته، وخلال ذلك كان نقاش وتربية، وذكر مناف، وتطهير مما يناقض. وتعريض بأهل الكفر والعناد، ورفع للمسلم إلى ذروة التقوى بالتطهير عما ينافيها وذلك محور سورة النساء كلها كما رأينا أكثر من مرة، ولأن المقطعين في حكم المقطع الواحد دمجنا الكلام عنهما.
فصل في رفع المسيح عليه الصلاة والسلام:
سنعقد فصلا في أواخر تفسير المقطع الثاني عشر نتحدث فيه عن الأناجيل، والتثليث، وهناك سنرى القيمة التاريخية للأناجيل الأربعة المعتمدة عند نصارى اليوم،
وسنرى أنها من وجهة النظر التاريخية والنقدية، مما لا يمكن أن تقوم به حجة، ومع إجماعها على أن المسيح عليه الصلاة والسلام قد صلب، إلا أنها متناقضة مع بعضها في كثير من الحيثيات فإنجيل متى يقول على لسان يهوذا الأسخريوطي.
وفي إنجيل يوحنا:
فرواية إنجيل متى تقول: إن يهوذا دلهم عليه من خلال القبلة ورواية إنجيل يوحنا تقول: إن المسيح عليه السلام هو الذي عرفهم على نفسه.
وإذا كانت هذه الأناجيل كما سنرى ليس واحدا منها ثابت النسبة لواحد من تلاميذ المسيح عليه الصلاة والسلام فلذلك لا نحتاج إلى جهد عقلي كي نستدل على أنها غير قابلة للاعتماد. وبإجماع من كتب ودرس فإن المرحلة الأولى من النصرانية قد طمست
طمسا كاملا، وكل ذلك سنراه في الفصل الذي وعدنا به يقول شارل جنيبير أستاذ المسيحية ورئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس في كتابه (المسيحية: نشأتها وتطورها):
(وهكذا لم نعد نستطيع أن نميز في وضوح الجوانب التاريخية لشخصية عيسى ولم نعد نملك المراجع اللازمة لتحديد أحداث حياته بدقة).
ويقول عن موضوع دعوى الصلب:
(ومن المرجح كذلك أن الأحداث الخاصة بالصلب كانت قد فقدت الكثير من وضوحها في ذاكرة المؤمنين قبل تحرير الأناجيل وأنها تأثرت في مخيلتهم بالأساطير المختلفة الشائعة ثم إنها فسرت تفسيرات غيرت وجددت في جوانب كثيرة أساسية منها).
أمام هذا كله، فإن أي باحث يجد نفسه مساقا من الناحية التاريخية أن ينقل رواية إنجيل برنابا، لأنها الرواية الوحيدة المنسوبة لتلميذ مباشر من تلاميذ المسيح عليه السلام من الثابت أنه قد اختلف مع بولس الذي إليه مرجع المعتقدات النصرانية الحالية، وإن رواية برنابا عليه السلام لواضحة في أن المسيح عليه الصلاة والسلام قد رفع وأن الذي صلب هو يهوذا الخائن الذي ألقي عليه شبه المسيح.
ونحن سننقل رواية برنابا كاملة في هذا الشأن، لا للاستناد عليها في إثبات رفع المسيح عليه الصلاة والسلام، فهذه قضية بت فيها القرآن وانتهى الأمر، لكنا ننقلها كيلا يماحك مماحك في أن النصارى واليهود مجمعون على الصلب، وأنهم لا يشكون في ذلك، بينما القرآن أثبت شكهم.
يقول إنجيل برنابا:
«الفصل الرابع عشر بعد المائتين»
وخرج يسوع من البيت ومال إلى البستان ليصلي فجثا على ركبتيه مائة مرة معفرا وجهه كعادته في الصلاة ولما كان يهوذا يعرف الموضع الذي كان فيه يسوع مع تلاميذه ذهب لرئيس الكهنة وقال: إذا أعطيتني ما وعدت به أسلم هذه الليلة ليدك يسوع الذي تطلبونه لأنه منفرد مع أحد عشر رفيقا. أجاب رئيس الكهنة: كم تطلب؟ قال يهوذا:
ثلاثين قطعة من الذهب فحينئذ عد له رئيس الكهنة النقود فورا وأرسل فريسيا إلى الوالي
وهيرودس ليحضر جنودا فأعطياه كتيبة منها لأنهما خافا الشعب. فأخذوا من ثم أسلحتهم وخرجوا من أورشليم بالمشاعل والمصابيح على العصي.
«الفصل الخامس عشر بعد المائتين»
ولما دنت الجنود من يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد.
«الفصل السادس عشر بعد المائتين»
ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نياما، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق، وفي الوجه شبها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا، أنسيتنا الآن؟ أما هو فقال مبتسما: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفوا يهوذا الأسخريوطي وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيها بيسوع من كل وجه، أما نحن فلما سمعنا قول يهوذا ورأينا جمهور الجنود هربنا كالمجانين، ويوحنا الذي كان ملتفا بملحفة من الكتان استيقظ وهرب، ولما أمسكه جندي بملحفة الكتان ترك ملحفة الكتان وهرب عريانا لأن الله سمع دعاء يسوع وخلص الأحد عشر من الشر.
«الفصل السابع عشر بعد المائتين»
فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه ساخرين منه لأنه أنكر- وهو صادق- أنه هو يسوع، فقال الجنود مستهزءين به، يا سيدي لا تخف لأننا أتينا لنجعلك ملكا على إسرائيل، وإنما أوثقناك لأننا نعلم أنك ترفض المملكة: أجاب يهوذا: لعلكم جننتم أنكم أتيتم بسلاح ومصابيح لتأخذوا يسوع الناصري كأنه لص، أفتوثقونني، أنا الذي أرشدكم لتجعلوني ملكا. حينئذ خان الجنود صبرهم وشرعوا يمتهنون يهوذا بضربات ورفسات، وقادوه
بحنق إلى أورشليم، وتبع يوحنا وبطرس الجنود عن بعد وأكد للذي يكتب أنهما شاهدا كل التحري الذي تحراه بشأن يهوذا ورئيس الكهنة ومجلس الفريسيين الذين اجتمعوا ليقتلوا يسوع. فتكلم من ثم يهوذا كلمات جنون كثيرة، حتى إن كل واحد أغرق في الضحك معتقدا أنه بالحقيقة يسوع وأنه يتظاهر بالجنون خوفا من الموت. لذلك عصب الكتبة عينيه بعصابة وقالوا له مستهزءين: يا يسوع نبي الناصريين (فإنهم هكذا كانوا يدعون المؤمنين بيسوع) قل لنا من ضربك، ولطموه وبصقوا في وجهه ولما أصبح الصباح التأم المجلس الكبير للكتبة وشيوخ الشعب وطلب رئيس الكهنة مع الفريسيين شاهد زور على يهوذا معتقدين أنه يسوع فلم يجدوا مطلبهم، ولماذا أقول إن رؤساء الكهنة اعتقدوا أن يهوذا يسوع؟ بل إن التلاميذ كلهم مع الذي يكتب اعتقدوا ذلك أن أم يسوع العذراء المسكينة مع أقاربه وأصدقائه اعتقدوا ذلك، إن حزن كل واحد يفوق التصديق، لعمر الله إن الذي يكتب نسي كل ما قاله يسوع: من أنه يرفع من العام وأن شخصا آخر سيعذب باسمه وأنه لا يموت إلا وشك نهاية العالم لذلك ذهب (الذي يكتب) مع أم يسوع ومع يوحنا إلى الصليب، فأمر رئيس الكهنة أن يؤتى بيسوع أمامه، وسأله عن تلاميذه وعن تعليمه فلم يجب بشيء في الموضوع كأنه جن حينئذ استحلفه رئيس الكهنة بإله إسرائيل الحي أن يقول له الحق. أجاب يهوذا: لقد قلت لكم إني يهوذا الأسخريوطي الذي وعد أن يسلم إلى أيديكم يسوع الناصري، أما أنتم فلا أدري بأي حيلة قد جننتم لأنكم تريدون بكل وسيلة أن أكون أنا يسوع، أجاب رئيس الكهنة، أيها الضال لقد أضللت كل إسرائيل بتعليمك، وآياتك الكاذبة مبتدئا من الجليل حتى أورشليم هنا. أفيخيل لك الآن أن تنجو من العقاب الذي تستحقه والذي أنت أهل له بالتظاهر بالجنون؟ لعمر الله إنك لا تنجو منه، وبعد أن قال هذا، أمر خدمه أن يوسعوه لطما ورفسا لكي يعود عقله إلى رأسه، ولقد أصابه من الاستهزاء على يد خدم رئيس الكهنة ما يفوق التصديق، لأنهم اخترعوا أساليب جديدة بغيرة ليفكهوا المجلس، فألبسوه لباس مشعوذ وأوسعوه ضربا بأيديهم وأرجلهم حتى إن الكنعانيين أنفسهم لو رأوا ذلك المنظر لتحننوا عليه، ولكن قست قلوب رؤساء الكهنة والفريسيين وشيوخ الشعب على يسوع إلى حد سروا معه أن يروه معاملا هذه المعاملة معتقدين أن يهوذا هو بالحقيقة يسوع، ثم قادوه بعد ذلك موثقا إلى الوالي الذي كان يحب يسوع سرا، ولما كان يظن أن يهوذا هو يسوع أدخله غرفته سائلا إياه لأي سبب قد سلمه رؤساء الكهنة والشعب إلى يديه. أجاب يهوذا: لو قلت لك الحق لما
صدقتني، لأنك قد تكون مخدوعا كما خدع الكهنة والفريسيون. أجاب الوالي (ظانا أنه أراد أن يتكلم عن الشريعة): ألا تعلم أني لست يهوديا؟ ولكن الكهنة وشيوخ الشعب قد سلموك ليدي، فقل لنا الحق لكي أفعل ما هو عدل، لأن لي سلطانا أن أطلقك، وأن آمر بقتلك. أجاب يهوذا: صدقني يا سيد أنك إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلما كبيرا لأنك تقتل بريئا، لأني أنا يهوذا الأسخريوطي لا يسوع الذي هو ساحر فحولني هكذا بسحره فلما سمع الوالي هذا تعجب كثيرا حتى إنه طلب أن يطلق سراحه، لذلك خرج الوالي وقال مبتسما: من جهة واحدة على الأقل لا يستحق هذا الإنسان الموت بل الشفقة، ثم قال الوالي: إن هذا الإنسان يقول إنه ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع، ويقول إن يسوع الجليلي قد حوله هكذا بسحره، فإذا كان هذا صدقا يكون قتله ظلما كبيرا لأنه يكون بريئا، ولكن إذا كان هو يسوع وينكر أنه هو فمن المؤكد أنه قد فقد عقله ويكون من الظلم قتل مجنون، حينئذ صرخ رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب، مع الكتبة والفريسيين بصخب قائلين:
إنه يسوع الناصري فإننا نعرفه لأنه لو لم يكن هو المجرم لما سلمناه ليديك، وليس هو بمجنون بل بالحري خبيث لأنه بحيلته هذه يطلب أن ينجو من أيدينا، وإذا نجا تكون الفتنة التي يثيرها شرا من الأولى، أما بيلاطس (وهو اسم الوالي) فلكي يتخلص من هذه الدعوى قال: إنه جليلي وهيرودس هو ملك الجليل، فليس من حقي الحكم في هذه الدعوى، فخذوه إلى هيرودس، فقادوا يهوذا إلى الذي طالما تمنى أن يذهب يسوع إلى بيته، ولكن يسوع لم يرد قط أن يذهب إلى بيته لأن هيرودس كان من الأمم وعبد الآلهة الباطلة الكاذبة عائشا بحسب عوائد الأمم النجسة، فلما قيد يهوذا إلى هناك سأله هيرودس عن أشياء كثيرة لم يحسن يهوذا الإجابة عنها منكرا أنه هو يسوع، حينئذ سخر به هيرودس مع بلاطه كله وأمر أن يلبس ثوبا أبيض كما يلبس الحمقى، ورده إلى بيلاطس قائلا له: لا تقصر في إعطاء العدل بيت إسرائيل. وكتب هيرودس هذا لأن رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أعطوه مبلغا كبيرا من النقود، فلما علم الوالي من أحد خدم هيرودس أن الأمر هكذا تظاهر بأنه يريد أن يطلق سراح يهوذا طمعا في نيل شئ من النقود، فأمر عبيده الذين دفع لهم الكتبة (نقودا) ليقتلوه أن يجلدوه ولكن الله الذي قدر العواقب، أبقى يهوذا للصليب ليكابد ذلك الموت الهائل الذي كان أسلم إليه آخر، فلم يسمح بموت يهوذا تحت الجلد مع أن الجنود جلدوه بشدة سال معها جسمه دما، ولذلك ألبسوه ثوبا قديما من الأرجوان تهكما قائلين: يليق بملكنا الجديد
أن يلبس حلة ويتوج، فجمعوا شوكا وصنعوا إكليلا شبيها بأكاليل الذهب والحجارة الكريمة التي يضعها الملوك على رءوسهم، ووضعوا إكليل الشوك على رأس يهوذا ووضعوا في يده قصبة كصولجان وأجلسوه في مكان عال، ومر من أمامه الجنود حانين رءوسهم تهكما مؤدين له السلام كأنه ملك اليهود، وبسطوا أيديهم لينالوا الهبات التي اعتاد إعطاءها الملوك الجدد، فلما لم ينالوا شيئا ضربوا يهوذا قائلين: كيف تكون إذا متوجا أيها الملك إذا كنت لا تهب الجنود والخدم؟ فلما رأى رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين أن يهوذا لم يمت من الجلد، ولما كانوا يخافون أن يطلق بيلاطس سراحه أعطوه هبة من النقود للوالي، فتناولها وأسلم يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا بالصلب على لصين معه، فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عريانا مبالغة في تحقيره،
ولم يفعل يهوذا شيئا سوى الصراخ: يا الله لماذا تركتني فإن المجرم قد نجا أما أنا فأموت ظلما. الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه هو يسوع، لذلك خرج بعضهم من تعليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا وأنه إنما يفعل الآيات التي فعلها بصناعة السحر لأن يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن إذ رأوا من يموت شبيها بيسوع كل الشبه حتى إنهم لم يذكروا ما قاله يسوع، وهكذا ذهبوا في صحبة أم يسوع إلى جبل الجمجمة ولم يقتصروا على حضور موت يهوذا باكين على الدوام بل حصلوا بواسطة نيقوديموس ويوسف الاباريماثيائي من الوالي على جسد يهوذا ليدفنوه، فأنزلوه من ثم عن الصليب ببكاء لا يصدقه أحد ودفنوه في القبر الجديد ليوسف بعد أن ضمخوه بمأة رطل من الطيوب.
«الفصل الثامن عشر بعد المائتين»
ورجع كل إلى بيته ومضى الذي يكتب ويوحنا ويعقوب أخوه مع أم يسوع إلى الناصرة، أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله فذهبوا ليلا وسرقوا جسد يهوذا وخبئوه وأشاعوا أن يسوع قام فحدث بسبب هذا اضطراب، فأمر رئيس الكهنة أن لا يتكلم أحد عن يسوع الناصري وإلا كان تحت عقوبة الجرم فحصل اضطهاد عظيم فرجم وضرب ونفي من البلاد كثيرون لأنهم لم يلازموا الصمت في هذا الأمر وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم قام بعد أن مات على الصليب فضرع الذي
يكتب إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم لننشد ابني فإن رأيته مت قريرة العين.
«الفصل التاسع عشر بعد المائتين»
فعادت العذراء إلى أورشليم مع الذي يكتب ويعقوب ويوحنا في اليوم الذي صدر فيه أمر رئيس الكهنة، ثم إن العذراء التي كانت تخاف الله أوصت الساكنين معها أن ينسوا ابنها مع أنها عرفت أن أمر رئيس الكهنة ظلم وما كان أشد انفعال كل أحد، والله الذي يبلو قلوب البشر يعلم أننا فنينا من الأسى على موت يهوذا الذي كنا نحسبه يسوع معلمنا وبين الشوق إلى رؤيته قائما، وصعد الملائكة الذين كانوا حرسا على مريم إلى السماء الثالثة، حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصوا عليه كل شئ لذلك ضرع يسوع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة المقربين الذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه وأن يحرسوه هناك لمدة ثلاثة أيام متوالية، وأن لا يسمحوا لأحد أن يراه خلا الذين آمنوا بتعليمه، فجاء يسوع محفوفا
…
إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم العذراء مع أختيها ومرثا ومريم المجدلية ولعازر والذي يكتب ويوحنا ويعقوب وبطرس فخروا من الهلع كأنهم أموات فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلا: لا تخافوا لأني أنا يسوع، ولا تبكوا فإني حي لا ميت، فلبث كل منهم زمنا طويلا كالمخبول لحضور يسوع، لأنهم اعتقدوا اعتقادا تاما بأن يسوع مات، فقالت حينئذ العذراء باكية: قل لي يا بني لماذا سمح الله بموتك ملحقا العار بأقربائك وأخلائك وملحقا العار بتعليمك؟ وقد أعطاك قوة على إحياء الموتى، فإن كل من يحبك كان كميت.
أجاب يسوع معانقا أمه: صدقيني يا أماه لأني أقول لك بالحق أني لم أمت قط، لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم، ولما قال هذا رغب إلى الملائكة الأربعة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر، فظهر من ثم الملائكة كأربع شموس متألقة حتى إن كل أحد خر من الهلع ثانية كأنه ميت، فأعطى حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكن أمه ورفاقها من رؤيتهم وسماعهم يتكلمون، وبعد أن
أنهض كل واحد منهم عزاهم قائلا: إن هؤلاء هم سفراء الله، جبريل الذي يعلن أسرار الله، وميخائيل الذي يحارب أعداء الله، ورافائيل الذي يقبض أرواح الميتين، وأوريل الذي ينادي إلى دينونة الله في اليوم الآخر، ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغير (صورة) يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخر، حينئذ قال الذي يكتب: يا معلم أيجوز لي أن أسألك الآن كما كان يجوز عند ما كنت مقيما معنا؟ أجاب يسوع: سل ما شئت يا برنابا أجبك، فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيما، فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتا؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله أجاب يسوع: صدقني يا برنابا أن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابا عظيما لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلا حبا عالميا أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله على أني كنت بريئا في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وبعد أن تكلم يسوع بهذا قال: إنك لعادل أيها الرب إلهنا لأن لك وحدك الإكرام والمجد بدون نهاية.
«الفصل الحادي والعشرون بعد المائتين»
والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال: يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتما، وما حدث في شأن مدة وجودي في العالم واكتب أيضا ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق حينئذ أجاب الذي يكتب: إني لفاعل ذلك إن شاء الله يا معلم ولكن لا أعلم ما حدث ليهوذا لأني لم أر كل شئ. أجاب يسوع: هاهنا يوحنا وبطرس اللذان قد عاينا كل شئ، فهما يخبرانك بكل ما حدث، ثم أوصانا يسوع أن ندعو تلاميذه المخلصين ليروه فجمع حينئذ يعقوب ويوحنا التلاميذ السبعة نيقوديموس ويوسف وكثيرين آخرين من الاثنين والسبعين وأكلوا مع يسوع، وفي اليوم الثالث قال يسوع:
اذهبوا مع أمي إلى جبل الزيتون لأنني أصعد من هناك أيضا إلى السماء، وسترون من يحملني، فذهب الجميع خلا خمسة وعشرين من التلاميذ الاثنين والسبعين الذين كانوا