الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآن فيما بينهم- حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام؛ وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ويأبى الله تعالى ذلك» اهـ. ما أردنا نقله من كلام الألوسي:
أقول: إن الألوسي لا يعتبر السجن مع القوت ومع الضرب القليل مجيزا للتقية كما رأينا.
والذي نص عليه فقهاء الحنفية أن سجن الظلمة كالإكراه الملجئ أي كالقتل وإتلاف العضو وعلى هذا فكلام الألوسي- فيما يبدو- في سجن تحتمله النفس زمنا ومكانا وآلاما، أما إذا كان السجن أو الاعتقال آلامه كثيرة أو الزمن فيه مديد فإن الرخصة للمبتلى بذلك قائمة.
فصل في أسباب النزول:
في كلام المفسرين وأصحاب السير، اضطراب كثير في أسباب النزول لأجزاء كثيرة من أوائل سورة آل عمران فبينما نجد في كلام بعضهم ما يشير إلى أن بضعا وثمانين آية من صدر سورة آل عمران نزل بعد مناقشة مع وفد نجران، الذي جاء في السنة التاسعة للهجرة، نجد في كلام بعضهم أن آية:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ قد نزلت بعد غزوة بدر كما نجد أن آيات كثيرة يذكر لها سبب نزول خاص كما سنرى. كما نجد أن آية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ .. قد ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هرقل والتي كانت سنة سبع للهجرة. كل ذلك يجعلنا نرجح أن رواية ابن إسحاق والزهري من أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزل في وفد نجران غير راجح وهو أحد الاتجاهات التي ذكرها ابن كثير.
نعم هناك بضع آيات نزلت بمناسبة مجئ وفد نجران منها آية المباهلة كما سنرى ولكن ليست كل هذه الآيات.
إلا إذا قلنا: إن بعض هذه الآيات نزلت من قبل ثم نزلت مع بقية الآيات مرة ثانية لأن معانيها متكاملة وهو اتجاه يحتمل مثله ابن كثير.
وهناك رواية يذكرها البيهقي تذكر أن من قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ
اللَّهِ
…
إلى نهاية آية المباهلة. نزلت بسبب الحوار مع وفد نجران.
وهو اتجاه أميل إليه فيكون بعض صدر سورة آل عمران نزل بسبب وفد نجران وليس كلها. وعلى هذا فإننا نرجح أنه إن كان سبب نزول قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ حوارا قد جرى بين بعض أهل الكتاب ورسولنا عليه الصلاة والسلام، كما يذكر بعضهم، فإن هذا الحوار كان متقدما على الحوار مع وفد نجران بل كان متقدما جدا. فإذا اتضح هذا فإننا سننقل بعض ما ذكره العلماء من أسباب نزول لبعض الآيات الواردة في القسم الذي مضى معنا من السورة وكما سنرى فإن هذه النقول تدل على أسباب نزول متفرقه غير ما ذكره ابن إسحاق والزهري، إلا أن يقال- كما ذكرنا- إن بعض الآيات نزلت مرتين.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هناك اتجاها يقول: إن وفد نجران جاء قبل صلح الحديبية، لكن يعكر على هذا الاتجاه أشياء كثيرة فلم يبق إلا اتجاهان:
القول بتعدد النزول، أو القول بأن حديث ابن إسحاق غير محفوظ. وهذه بعض الروايات في أسباب النزول لبعض الآيات التي مرت معنا في القسم الأول:
أ- يذكر الطبري رواية عن محمد بن جعفر بن الزبير تقول: إن آية المتشابه نزلت بسبب الحوار مع وفد نجران، إذ احتجوا بقوله تعالى وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ على ما يزعمون من أن عيسى ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وهي جزء من الرواية التي فهمها بعضهم على أنها نزلت في عام الوفود سنة تسع للهجرة، وقد رأينا بعض ما يمكن أن يقال فيها.
ب- رأينا أثناء التفسير ما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق عن عاصم من أن قوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ أنها نزلت بعد بدر إذ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم ما قال وردوا عليه ما ردوا فأنزل الله الآيتين.
وبهذه المناسبة نقول:
إن النص مع أنه عام، لكن سبب النزول يذكرنا بخصوص معين، هو أن النص موجه لليهود الذين كانوا في المدينة بشكل مباشر وفي ذلك معجزة قرآنية إذ إن الله عزّ
وجل صدق وعده فغلبت يهود في الدنيا، فقهرت قينقاع وبنو النضير ويهود خيبر،
وقتلت قريظة فيما بعد، وسيحشرون إلى جهنم وبئس المهاد.
ج- في سبب نزول قوله تعالى قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
…
ينقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
…
الآية.
د- في سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ
…
قال الألوسي:
هـ- وفي سبب نزول قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ....
قال الألوسي:
روى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، أنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وعد أمته ملك فارس والروم. قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟!! فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى أبو الحسن الثعالبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا فأخرج الله تعالى من بطن الخندق
صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها، أو يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطك. فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق، والتسعة على شفير الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم. وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، فكبر المسلمون، ثم ضربها صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها عليه الصلاة والسلام الثالثة فكسرها وبرق منها برق كذلك، فكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون وأخذ بيد سلمان ورقى فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق لي الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال! فأنزل الله تعالى وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (سورة الأحزاب) وأنزل هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ الخ.
و- وفي سبب نزول قوله تعالى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قال الألوسي:
قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو. وكهمس بن أبي الحقيق. وقيس بن زيد- والكل من اليهود- يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة
ابن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبي: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين، ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى الآية ونهى المؤمنين عن فعلهم.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى لا يَتَّخِذِ الخ.
ز- وفي سبب نزول قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
…
قال الألوسي:
واختلف في سبب نزولها. فقال الحسن وابن جريج: «زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم يحبون الله تعالى. فقالوا يا محمد: إنا نحب ربنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية» وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليه بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها، فقال: يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله تعالى لتقربنا إلى الله سبحانه زلفى فأنزل الله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الخ» وفي رواية أبي صالح «إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. أنزل هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود فأبوا أن يقبلوها» . وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «نزلت في نصارى نجران؛ وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله تعالى، وتعظيما له، فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم» ويروى أنها لما نزلت قال عبد الله بن أبي: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزل قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.
ح- ونختم هذه النقول في أسباب النزول بالرواية التي تذكر أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزلت في وفد نجران. ورأينا كيف يكون التوفيق بينها وبين الروايات الأخرى في حال صحتها.
قال الألوسي:
«أخرج ابن إسحاق. وابن جرير. وابن عبد المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب. عبد المسيح. والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم، يقولون: هو الله تعالى، ويقولون: هو ولد الله تعالى، ويقولون: هو ثالث ثلاثة- تعالى الله- كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله تعالى بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ويحتجون في قولهم بأنه ولد الله تعالى: يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، وصنع ما لم يصنعه أحد غيره من ولد آدم قبله، ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة: إن الله تعالى يقول فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا يقولون: فلو كان واحدا ما قال إلا فعلت، وأمرت، وخلقت، وقضيت، ولكنه هو، وعيسى، ومريم ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه قولهم فلما كلمه الحبران وهما- العاقب، والسيد- كما في رواية الكلبي والربيع عن أنس قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ وصمت فلم يجب شيئا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا، وتوحيده إياه بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه الأنداد، واحتج عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال:
الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي: ليس معه غيره شريك في أمره الحي الذي لا يموت، وقد مات عيسى عليه السلام في قولهم؛ (القيوم) القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى، وفي رواية جرير عن الربيع قال: «إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟
قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟
قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن