الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمؤمنين بكل وحي أنزله الله، والمقيمين الصلاة، والمؤتين الزكاة، والمؤمنين بالله، واليوم الآخر. فهؤلاء سيؤتيهم الله أجرا عظيما.
إن السياق في هذه المجموعة الأخيرة انصب باتجاهه الرئيسي، على هذه المعاني.
ولكنه خلال ذلك، تحدث عن أشياء كثيرة. عن رفع المسيح إلى السماء. وعن نزوله قبيل يوم القيامة. وعن أشياء أخرى. وكما بدأ السياق بالأمر بالإيمان للمؤمنين. فقد ختم بوصف طائفة من أهل الكتاب متحققة بأركان التقوى. ولنتذكر مقدمة سورة البقرة، التي حددت صفات المتقين، والكافرين، والمنافقين. لنرى كيف أن هذا المقطع بيان وتفصيل لمحل الإيمان في التقوى، وما ينافيه.
ففي أول سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فلنقارن هذا بآخر آية في هذا المقطع: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ولنتذكر الآية الأولى في هذا المقطع: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
…
لنرى بوضوح كيف أن سورة النساء شرح لقضية التقوى وتفصيل لها. وإذا كان الإيمان هو الركن الرئيسي في التقوى. فقد انصب الكلام في المقطعين عليه. وستتضح الأمور لنا أكثر أثناء الشرح الحرفي لهذين المقطعين.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. أي: محمد وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ أي: القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ. أي: جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب،
أي كل الكتب، والخطاب للمسلمين. والمعنى اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه، وجددوه. قال ابن كثير: وقال في القرآن: نزل لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم. وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أي: ومن يكفر بشيء من ذلك. فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي: فقد
خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد، لأن الكفر بأي ركن أو بأي مما يدخل في كل ركن من أركان الإيمان كفر بالكل. والملاحظ أنه قد ذكرت خمسة أركان من أركان الإيمان هنا، لأن الركن السادس- وهو الإيمان بالقدر- جزء من مضمون الإيمان بالله، لأن الإيمان بالقدر إيمان بعلم الله الأزلي، وإرادته الأزلية، وإبراز ما أراده بقدرته، وكون ذلك مسجلا في اللوح المحفوظ وكل ذلك يدخل في الإيمان بالله.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً هم المنافقون آمنوا في الظاهر، وكفروا بالسر مرة أخرى، وازدياد الكفر منهم، ثباتهم عليه إلى الموت، أو أنهم آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، على حسب الأحوال من ظهور للإسلام وأهله، أو ظهور على الإسلام والمسلمين. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ بسبب كفرهم الذي لا يغفره الله. وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا. أي: طريقا إلى النجاة، أو إلى الجنة بسبب كفرهم مرة بعد مرة. وقد استدل الإمام علي بهذه الآية وكون الكفر بعد الإيمان ذكر مرة بعد مرة ثلاث مرات: أن المرتد يستتاب ثلاثا.
وذكر المنافقين بعد هذه الآيات يشعر بأن هذه حال من أحوال المنافقين. بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ. أي:
أخبرهم، ووضعت (بشر) مكان أخبر تهكما بهم على طرائق العرب في الخطاب بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. أي: مؤلما.
ثم وصف الله المنافقين مبينا حالهم بتوسع، كما فعل في مقدمة سورة البقرة؛ لخفاء حال المنافقين، ولكثرة خطرهم وعظمه.
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قلوبهم معهم، وعواطفهم معهم، ويعطونهم نصرتهم، ويستنصرون بهم، ويعطونهم طاعتهم ومودتهم.
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ. أي: إن المنافقين يوالون الكفرة طلبا منهم للمنعة والنصرة والجاه، وظهور هذه المعاني في عصرنا بارز جدا ويعطيها تفسيرها العملي، ففي عصرنا نجد من مظاهر الولاء، انتساب أبناء المسلمين للأحزاب الكافرة، وإعطاء قيادتها الكافرة الولاء والطاعة والنصرة بغية تحصيل شئ من جاه الدنيا ومتاعها. ولذلك بين الله- عز وجل أن العزة له وحده ليقطع دابر مثل هذه الأفكار. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً يعطي منها من يشاء، ويمنعها من يشاء. فلا يطلبن المؤمن العزة إلا من الله.
وأي قيمة لعزة في الدنيا تعقبها ذلة أبدية في الآخرة،
ولأن المجالسة مظهر من مظاهر الولاء، وطلب العزة، ولكون هذا مرتبطا بقضية النفاق، جاءت الآية وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ. أي: في القرآن، وهو إشارة إلى ما ورد في سورة الأنعام، مما سيأتي معنا أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. أي: حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن، والخوض: هو الشروع. إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. أي: في الوزر إذا مكثتم معهم. ولم يرد به التمثيل من كل وجه، فإن خوض المنافقين فيه كفر، ومكث هؤلاء إن رافقه رضى ومشاركة فهو كفر، وإن رافقه كراهة وعدم مشاركة فهو معصية.
إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء، فكما شارك المنافقون الكافرين في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم. وقد أفهمت الآية أن من أخلاق المنافقين مجالسة الكافرين ومشاركتهم ومؤانستهم، والسماع منهم كلام الكفر، ومشاركتهم إياهم بالاستهزاء بالإسلام.
ثم زادنا الله بصيرة بالمنافقين بمزيد من أوصافهم. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق، أو ينتظرون زوال دولتكم وظهور الكفرة عليكم، وذهاب ملتكم. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أي: نصر وتأييد وظفر، قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ. أي: ألم نكن مظاهرين لكم، ونعطيكم نصرتنا، ونؤيدكم. يقولون ذلك توددا ومصانعة للمؤمنين. وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ. أي: حظ من الإدالة على المؤمنين لحكمة يريدها الله. قالُوا. أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أي: قالوا للكافرين كان بإمكاننا أن نغلبكم، ونتمكن من قتلكم، ولكنا أبقينا عليكم، وكان بإمكاننا أن نشجع المؤمنين عليكم، ولكنا ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهم يمنون على الكافرين في خذلانهم المؤمنين ساعة الشدة، ولو أنهم ساعدوهم لانتصر المؤمنون. ومعنى الاستحواذ: الاستيلاء والغلبة.
هذا هو حال المنافقين، مصانعة للمؤمنين وكلام لهم بما يناسب، ومصانعة للكافرين، وتكليم لهم بما يرضيهم. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. أي: يا أيها المؤمنون والمنافقون إن الله سيحكم بينكم يوم القيامة، فيدخل المنافقين النار، والمؤمنين الجنة، فلا تغتروا أيها المنافقون بكونكم تتظاهرون بأنكم مع أهل الإيمان، فلن ينفعكم هذا التظاهر يوم القيامة. ولا تحزنوا أيها المؤمنون من مودة المنافقين للكافرين، فحسابهم على الله. وإذا كان الحكم لله خالصا ظاهرا وباطنا يوم القيامة وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. أي: يوم القيامة، فلا غلبة يومئذ، ولا نصرة، ولا حجة لكافر على مؤمن. ويحتمل أن يكون المعنى: أنه وعد من الله للمسلمين أن الحجة لهم دائما من الله على الكافرين يلهمهم الله إياها في أي مناقشة أو جدال. ويحتمل أن
يكون المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم تسليط استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة. وعلى هذا يكون النص ردا على المنافقين فيما أملوه ورجوه، وانتظروه، من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من
مصانعتهم الكافرين خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين، فاستأصلوهم. وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر. ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه. كما استدل بعضهم بالآية على عدم جواز شهادة الكافر على المسلم. وقد سمى الله في الآية ظفر المسلمين فتحا تعظيما لشأنهم، لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء. وسمى ظفر الكافرين نصيبا تخسيسا لحظهم، لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها.
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ. أي:
يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان، وإبطان الكفر، والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، أو المعنى: يخادعون أولياء الله وهم المؤمنون، فجعل خداع أوليائه خداعا له، تشريفا للمؤمنين من باب «من آذى وليا فقد آذاني» وَهُوَ خادِعُهُمْ. أي: وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء، والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى. وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى. أي: قاموا متثاقلين كراهية الصلاة. أما مجرد الغفلة فقد يبتلي بها المؤمن يُراؤُنَ النَّاسَ. أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، والمراءاة مفاعلة من الرؤية، لأن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه استحسانا.
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. أي: ولا يصلون أصلا إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا نادرا. ولو كان هذا الذكر القليل خالصا لله لكان كثيرا، ولكنه ليس خالصا
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ. أي: مرددين، يعني ذبذبهم الهوى والشيطان بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يدفع فلا يقر. والمنافقون مترددون بين الكفر والإيمان. لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ.
أي: لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون كافرين، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. أي: فلن تجد له طريقا إلى الهدى، أو فلن تجد له طريقا ما أصلا، بل هو متقلب، كل يوم هو في طريق.