الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروايات وقصة ذلك، ثم عقب على ذلك فقال:«وهذا من المشهورات» أن هذه الآية نزلت في ذلك. وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا فحكمها عام. ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد. وقال أكثر من مفسر، منهم زيد بن أسلم: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس.
فوائد:
1 -
روى الإمام أحمد وأهل السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة السلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء» . وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: «إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟! فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقة، قال فتنزل عن عاتقه فيهوي على إثرها أبد الآبدين، قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته فقال:
صدق أخي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
…
قال أبي بن كعب: من الأمانات أن المرأة ائتمنت على فرجها.
2 -
قال محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب «إن هذه الآية:
أي وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس» قال ابن كثير وفي الحديث: «إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه» . وفي الأثر «عدل يوم كعبادة أربعين سنة» .
3 -
روى أبو داود وابن حبان في صحيحه وغيرهما عن أبي يونس مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها .. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: وهكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ويضع إصبعيه .. ».
4 -
رأينا أن كلمة (الأمانات) في الآية عامة وفي ذلك يقول الألوسي:
«وأيا ما فالخطاب يعم كل أحد- كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول- تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، سواء كانت فعلية، أو قولية، أو اعتقاديه. وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب. وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس، وأبي، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأبي
جعفر، وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم وأختاره الجبائي وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية، وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضا، وفي تصدير الكلام- بإن- الدالة على التحقيق، وإظهار الاسم الجليل، وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة، وتأكيد وجوب الامتثال، والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» . وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر. الرحم توصل برة كانت أو فاجرة. والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر. والعهد يوفى به للبر والفاجر» ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . والأخبار في ذلك كثيرة.
5 -
وفي آخر آية في المقطع أي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ
…
يقول صاحب الظلال:
«هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين «الناس» بالعدل، على منهج الله وتعليمه.
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها «الإنسان» .. أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به. والاهتداء إليه، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد، ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا .. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من
الأمانات.
ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر بالله أن تؤدى: ومن هذه
الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون .. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته- بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك. وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان- وهي إحدى الأمانات- ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض، منهجا للجماعة المؤمنة؛ ومنهجا للبشرية جميعا .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيله، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر وهو كبرى الأمانات، بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة. ومن ثم ف «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات.
ومن هذه الأمانات- الداخلة في ثنايا ما سبق- أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأجيال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها ..
وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال .. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال.
فأما الحكم بالعدل بين «الناس» فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا «بين الناس» جميعا. لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس .. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه «إنسانا». فهذه الصفة- صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا: مؤمنين وكفارا، أصدقاء وأعداء، سودا وبيضا، عربا وعجما .. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل- متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية .. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعما قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا. لأنهم «ناس» لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه «الناس» . وذلك هو أساس الحكم في الإسلام، كما أن الأمانة- بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في
المجتمع الإسلامي. والتعقيب على الأمراء بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل، هو التذكير بأنه من وعظ الله- سبحانه- ونعم ما يعظ الله به ويوجه:
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه.
فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به .. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله «اسم إن» ويجعل نعم ما «نعما» ومتعلقاتها، في مكان «خبر إن» بعد حذف الخبر .. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله- سبحانه- وهذا الذي يعظهم به .. ثم إنها لم تكن «عظة» إنما كانت «أمرا» .. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياة! ثم يجئ التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ..
والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه «سميعا بصيرا» مناسبة واضحة ولطيفة معا .. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل، وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير، وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.
وبعد: فالأمانة والعدل .. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟.
أيترك مدلول الأمانة والعدل ووسائل تطبيقهما وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم أو أهواؤهم؟
إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان ..
هذا حق .. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات؛ متأثرا بشتى المؤثرات .. ليس هناك ما يسمى «العقل البشري» كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما .. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى، تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك .. ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها. ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات. وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان .. والميزان الثابت، الذي لا يميل مع