الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة النساء (4): الآيات 171 الى 173]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173)
كلمة في هذا المقطع:
في السورة التي ترسم طريق التقوى للناس جميعا، وتبين لهم ماهيتها. يأتي فيها هذا المقطع خاصا بأهل الكتاب، يدعوهم فيه إلى الإيمان، والعمل الصالح، وترك ما يتنافى مع عبادة الله والعبودية له وصلة ذلك بمحور السورة الذي يدعو للعبادة والتوحيد والإيمان، والعمل الصالح لا تخفى.
فقد رأينا في هذه السورة مقاطع موجهة للناس كلهم، ورأينا فيها مقاطع موجهة للمؤمنين. وهذا المقطع موجه لأهل الكتاب خاصة، كي يحرروا العبادة لله عقيدة وسلوكا ليكونوا من المتقين. وهذا الخطاب خاص بالنصارى، وقد رأينا من قبل كيف خوطب اليهود في المقطع العاشر.
المعنى العام:
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن
اتخذوه إلها من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه فادعوا فيهم العصمة كما يعتقدون ذلك في البابا. فاتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا، فنهاهم عن الغلو في دينهم، ثم نهاهم أن يفتروا على الله، وأن يجعلوا له صاحبة أو ولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه، وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. وإذ كان من أعظم ما وقع من غلو ما ادعاه النصارى أن المسيح هو الله أو ابن الله- تعالى الله عن ذلك- فقد قرر الله في شأن المسيح أنه عبد من عباده، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمة ألقاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن الله فكان عيسى بإذنه- عز وجل وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، ونزلت حتى ركبت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله تعالى، ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل. وبعد أن قرر حقيقة عيسى نهاهم أن يجعلوا عيسى وأمه- أو ما يسمونه الروح القدس- مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا نهي عن التثليث، وهو نهي لكل فرق النصارى عن ضلالهم في هذا الشأن، لأن فرق النصارى بعد ما فني أهل التوحيد الخالص منهم كلها تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت في زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه، على ثلاث مقالات كلها كفر، ولهذا أمرهم الله- عز وجل أن ينتهوا عما هم فيه، لأن انتهاءهم عما هم فيه، فيه الخير لهم، ثم قرر الله وحدانيته، ونزه ذاته أن يكون له ولد وقرر أن كل ما في السموات والأرض ملكه
وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شئ، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، وهو الحافظ والمدبر للجميع. ومن كان هذا شأنه، لم يحتج إلى ولد يعينه. ثم بين أنه لا المسيح، ولا الملائكة المقربون يستكبرون عن العبودية لله، بل هي فخرهم وشرفهم، وفيها أنسهم وشرفهم، وكيف لا يكونون كذلك وهم من أعرف خلق الله بجلال الله، وما ينبغي لهذا الجلال. ثم بين الله- عز وجل أن من يستكبر عن عبادة الله، وتوحيده، فإن الله سيجمعهم إليه يوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور، ولا يحيف، وإنما يكون حكمه ضمن قاعدة هي: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه، وسعة رحمته وامتنانه. وأما الممتنعون