الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحد، وصلة ذلك كله بابتداء القسم لا تخفى.
بدأ القسم بالنهي عن طاعة الكافرين، والطاعة قد تكون بالاقتداء، وقد تكون بتنفيذ الأمر. والمقطع قد نبهنا على نماذج من الطاعة لا يجوز أن تكون سواء في ذلك هذا النوع، أو هذا النوع، وفي كثير من الأحيان قد يبدو للناظر أن طاعة الكافرين فيها مصلحة، والكافرون يدعون أن طاعتهم فيها مصلحة لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا فالمقطع إذن بصرنا بمثل هذا. وارتباط ذلك ببداية القسم واضحة، وفي مقدمة القسم قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ وقد مرت معنا في هذا المقطع بعض مظاهر تولي الله لنا، وفي مقدمة القسم قال الله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وجاءت بعد ذلك دروس غزوة أحد لنعرف شروط الوعد، وكان المقطع الذي مر معنا استمرارا لذلك.
ولعله بذلك اتضح لنا أن لكل مقطع في القسم وحدته، ولكل قسم في السورة وحدته، وأن لكل سورة محورها، ولكل مجموعة سور ترتيبها، ولكل قسم من أقسام القرآن ترتيبه ووحدته، وكل ذلك سنراه شيئا فشيئا. وكما صحح لنا هذا المقطع مفاهيم، ونبهنا على محاذير، فإن المقطع اللاحق سيصحح، وينبه، ويعرفنا على أمهات من التصورات الخاطئة لا ينبغي أن نقع فيها.
فوائد:
1 -
بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ نذكر بعض الأحاديث حول الغلول، ونلاحظ أن بعضها جعل من الغلول هدايا العمال أي الموظفين عند الدولة، وكذلك الاعتداء على مال الأمة:
أ- روى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض، أو في الدار فيقطع أحدهما من خط صاحبه ذراعا، فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة» .
ب- وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولي عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليس له دابة ليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال» .
أقول: وذلك إذا أخذه من غير إذن.
ج- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي قال:
د- روى الترمذي عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني، فإنه غلول. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
هـ- روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملا فكتمنا منه مخيطا فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة قال: فقام رجل من الأنصار أسود، قال مجاهد: هو سعد بن عبادة كأني انظر إليه، فقال يا رسول الله:
اقبل مني عملك، قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذلك الآن: من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى» رواه مسلم.
و- روى عبد الله بن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الوبرة من ظهر البعير من المغنم ثم يقول: «ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط، وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله، القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم» .
ز- روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا، فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها- أو عباءة- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فناد في الناس أنه لا
يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» ورواه مسلم.
ح- روى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس فيجوز بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه فجاء رجل يوما بعد الغداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال:
- وفي عقوبة الغال، للفقهاء أقوال: منهم من قال يحرق ما غل ويضرب. ومنهم من قال: يعزر تعزير مثله، ومنهم من قال: يباع الغلول ويتصدق بثمنه.
2 -
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تبيان الحكمة الكلية مما أصاب المسلمين يوم أحد: قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بأخذكم الفداء اهـ.
وهو نظر دقيق في الربط الكلي بين أفعال الله، ملاحظا الحكمة القريبة، والحكمة البعيدة.