الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقول: وسنرى كيف أن ابن كثير سينقل نقلا غريبا أيده الواقع عند تفسير (حم عسق) في سورة الشورى مما يجعلنا لا نغلق البحث في هذا الباب.
ولننتقل إلى ذكر
المعنى العام للمقطع
الأول من القسم الأول من سورة آل عمران:
المعنى العام للمقطع:
- في الآية الثانية بعد الم يخبر الله- عز وجل عن وحدانيته واتصافه بالحياة، والقيومية، فهو قائم بذاته، وغيره لا يقوم إلا به- تعالى- هو لا يفتقر لغيره، وغيره مفتقر إليه، فهو وحده الإله، ومن مقتضى ألوهيته وقيوميته ما ذكره في الآية الثالثة.
- يخبر تعالى في الآيتين الثالثة والرابعة أنه أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بالحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن هذا الكتاب يصدق الكتب المنزلة قبله من
السماء، وكما أنزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، أنزل التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى عليهما السلام، من قبل أن ينزل هذا القرآن، من أجل هداية الناس؛ وهذا من مقتضى قيوميته أن يهدي عباده ويبين لهم الطريق، وكما أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس من قبل، فقد أنزل هذا القرآن هاديا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما ذكر الله فيه من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، القاطعة، وبينه ووضحه وفسره ليهدي ويرشد وينبه، وإذا كان هذا مقتضى ألوهيته ووحدانيته وقيوميته؛ فقد وجب على الخلق أن يهتدوا ويؤمنوا ويعلموا؛ فمن لم يفعل فقد استحق العذاب. ومن ثم ذيلت الآية بتقرير استحقاق العذاب الشديد يوم القيامة للذين جحدوا بآيات الله، وأنكروها، وردوها- وما ردوها إلا بالباطل- ثم وصف الله- عز وجل ذاته بالعزة، فهو منيع الجناب، عظيم السلطان، ووصف ذاته بالانتقام لمن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.
- وفي الآية الخامسة يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شئ من ذلك، وهذا مرتبط بموضوع الألوهية والقيومية، فالإله الحق لا بد أن يكون عليما بكل شئ، وبدون علم لا تكون القيومية.
- ويدلل تعالى- في الآية السادسة- على إحاطة علمه، بتصويرنا في أرحام أمهاتنا كما يشاء، من حسن وقبح وصفات وخصائص تحير عقل المتأمل!! فأي علم عظيم
علمه جل جلاله؟!! وكما دل على إحاطة علمه في الآية الخامسة بتصويرنا في الأرحام دلل في الآية السادسة على إحاطة علمه بإنزاله هذا القرآن على ما هو عليه؛ إذ أخبر في الآية السابعة أنه أنزل هذا القرآن وجعل آياته نوعين. النوع الأول: الآيات المحكمات، أي: البينات الواضحات الدلالة التي لا تلتبس على أحد. والنوع الآخر:
الآيات التي فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس- أو بعضهم- وذلك امتحان لعباده من أجل أن يردوا ما اشتبه إلى الواضح منه، ويحكموا محكمه في متشابهه.
وذلك لأنه أودع في هذا الكتاب من الكمالات، والعلوم ما لا يحيط به إلا هو، فكانت عباراته على ما ذكر. وإذن ففي الآية تدليل على إحاطة علمه.
وكما قلنا: فإن إحاطة العلم هي مقتضى الألوهية والقيومية فلنر كيف كان موقف الناس من كتابه؟:
أما المنحرفون، الضالون، الزائغون، فهؤلاء يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، تعمدا منهم، لأنهم يستطيعون أن يحرفوا المتشابه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه إليه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، وإنما يفعلون ذلك من أجل تضليل الناس، ومن أجل حمل القرآن على أهوائهم، فيفسرونه بالهوى لا بالعلم. وأما المهتدون فهم الراسخون في العلم، الذين يردون المتشابه إلى المحكم، ويقرون بأن المحكم والمتشابه من عند الله، والجميع حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس وحي الله بمختلف ولا بمتناقض، ثم ذيل الله- عز وجل الآية بتبيان أن أصحاب العقول السليمة والفهوم المستقيمة هم الذين يفهمون، ويعقلون المعاني على وجهها، ويتدبرون ويقفون عند الحدود، فهؤلاء هم الذين أعطوا الألوهية حقها، وهؤلاء كما أقروا للقرآن- بما فيه من حق- فإنهم كذلك يقولون داعين الله- عز وجل بدعوتين ذكرتهما الآيتان الثامنة والتاسعة في الدعوة الأولى يطلبون من الله أن لا يميل قلوبهم عن الهدى بعد إذ أقامها عليه، فيكونوا كالذين في قلوبهم زيغ يتبعون بسببه المتشابه، كما يطلبون من الله أن يهبهم رحمة تسعهم في دنياهم وأخراهم، مثنين على الله باسمه الوهاب. وإذ طلبوا من الله- عز وجل رحمة في أحوج ما يكون الخلق إلى رحمة الله يوم القيامة، فإنهم في دعوتهم الثانية لم يقولوا سوى: يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان
عليه في الدنيا من خير وشر، أي يا ربنا نحن نعلم هذا ونقر به، لذلك استجب ما دعوناك به فى دعوتنا الأولى: أن لا تزغ قلوبنا وأن ترحمنا. فهذا حال الراسخين في العلم أصحاب العقول والأفهام، الذين يعرفون لله ألوهيته ووحدانيته وقيوميته وعزته وانتقامه وإحاطة علمه، هكذا يكون موقفهم من كتابه وهذا حالهم في الخوف منه.
إن معرفة الله مرتبطة بمعرفة هديه- المتمثل بكتابه- مع الإيمان به والتسليم له، ومن لم تجتمع له هذه المعاني لا يكون عارفا بالله، إذ كيف يؤمن بالله وألوهيته وقيوميته وعلمه، وهو يتصور أن الله لا يتدخل في شئون خلقه ولا يهديهم، وهو ينكر ما أنزل الله ويكذبه؟!! ولذلك نلاحظ أنه بعد ما ذكر الموقف الصحيح لأهل الإيمان منه- جل جلاله ومن كتابه، هدد الكافرين في الآيتين العاشرة والحادية عشرة، فأخبر عن الكفار بأنهم وقود النار، وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم عند الله، فتمنع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، بل يهلكون ويعذبون في الدنيا، ويعذبون يوم القيامة، كما جرى لآل فرعون، ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به؛ إذ إن من صفات الله أنه شديد العقاب، أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمنع منه أحد، ولا يفوته شئ؛ بل هو الفعال لما يريد، الذي غلب كل شئ؛ لا إله غيره، ولا رب سواه، وإذ بين الله- عز وجل أن الكافرين يستحقون عقوبته في الدنيا والآخرة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أمر لنا- أن يقول للكافرين: أن عليهم الغلبة في الدنيا- وهذا بما استحقوا من عقوبة الله لهم في الدنيا- ولهم في الآخرة عذاب جهنم. وفي الآية الثالثة عشرة ذكر الله- عز وجل دليلا على أن الكافرين مغلوبون بما حدث يوم بدر من آيات، كان من آثارها أن غلب المؤمنون- على قلتهم- الكافرين. وفي الآية الرابعة عشرة يخبر تعالى عما زين للناس من الملاذ من النساء والبنين، وبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، ثم ذكر ما زين للناس من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، والأراضي المتخذة للغراس والزراعة، ثم بين أن هذا إنما هو زهرة الحياة الدنيا، وزينتها الفانية الزائلة، وأن الله عنده حسن المرجع والثواب.
هذا مضمون الآية الرابعة عشرة؛ فما الصلة بينها وبين المقطع عامة؟. رأينا أن المقطع يدور حول موضوع معين هو وحدانية الله وقيوميته، وأن من آثار ألوهية الله وقيوميته أنه أنزل الكتب. وهذه الآية مرتبطة بهذا المعني: فمن آثار قيومية الله أن زين للناس حب الشهوات؛ حتى تقوم هذه الحياة الدنيا؛ فلولا حب النساء ما كان زواج، ولو لم يكن زواج ما كانت الحياة الدنيا، ولولا حب البنين ما ربى أحد أولاده؛ وبالتالي
تضيع الذرية، ولولا حب الذهب والفضة، والأنعام والحرث، ما كان عمل، ولولا العمل ما قامت الحياة، ولكن هذه الشهوات تحتاج إلى أن توضع لها حدود حتى لا تطغى عن الحد الذي تحتاجه عمارة الدنيا؛ لأنها إذا طغت فلم تخضع لقيود أدت إلى عكس ما خلقت من أجله، ومن ثم أنزل الله كتبه لتقوم هذه الشئون ضمن الحدود السليمة الصحيحة.
وللآية صلة أخرى في السياق سنراها.
وفي الآيات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة يرفع الله همتنا إلى أن نكون طلاب آخرة، بتبيان ما أعده لأهل طاعته في جناته، كما بين متى نكون أهلا لذلك. يقول تعالى في هذه الآيات: قل يا محمد للناس أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها؟ جنات تخترق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة من العسل، واللبن، والخمر، والماء، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أعدها للمتقين، وجعلها لهم ماكثين فيها أبد الآباد، لا يبغون عنها حولا، ولهم فيها أزواج مطهرة من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ومع هذا فإن لهم أن يحل الله عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا. ومن شأن الله- سبحانه- أنه بصير بعباده، يعطي كلا بحسب ما يستحق من العطاء، وقد بين أن هؤلاء إنما استحقوا (1) هذا كله بسبب كونهم من المتقين، ثم وصف هؤلاء المتقين، بأنهم يدعون الله طالبين غفرانه، والعتق من النار، وأنهم متصفون بالصبر، والصدق، والطاعة، والخضوع، والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار.
وهذه الآيات الثلاث مرتبطة كذلك بموضوع المقطع، فكما أن عمارة الحياة الدنيا تحتاج إلى وحي من الله، فإن دخول الجنة والوصول إلى الآخرة يحتاج إلى وحي يبين للإنسان الطريق، فإذا اتضحت هذه المعاني، عرفنا الصلة بين هذا المقطع والآيات الأولى من سورة البقرة التي تصف المتقين، بأن القرآن هداهم، وأنهم يؤمنون بكل ما أنزل الله، ثم يختم الله- عز وجل هذا المقطع بما بدأه به من إعلان وحدانيته وقيوميته، فيخبر الله- تعالى- في الآية الأخيرة أنه شهد، وكفى به شهيدا، وهو
(1) يلاحظ أن ابن كثير يستعمل كلمة (استحق) ولا يستعملها من باب أن لكل أحد حقا على الله وواجبا، وإنما من باب أن الله- عز وجل أوجب على نفسه لخلقه، وهو موضوع مرتبط ببعض المصطلحات الكلامية؛ لذلك أشرنا إليه.