الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالتوفيق، والتثبيت، والرعاية، ثم النجاة، والجنة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ أي: إنك الكثير الهبات، وهذا دعاء ثان لأن الثناء على الله دعاء له
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي يا ربنا إنك ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله في يوم لا شك فيه إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي لا تخلف الموعد- وفي قولهم إنك لا تخلف الميعاد ثناء على الله، واعتراف له بالإلهية لأن الإلهية تنافي خلف الوعد.
فوائد:
1 -
فائدة إنزال المتشابه الابتلاء به، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولقصور الكثير من الخلق عن كثير من المعاني، ولقصور كثير من العصور عن علوم لم يصلوا فيها إلى يقين؛ كان في هذا القرآن متشابه، ثم ليتعب العلماء قرائحهم في استخراج معانيه، ورده إلى المحكم، وليعلم فضل أهل الفضل، ولترتفع درجات من أراد الله أن يرفع درجاته بالعلم، وليعرف الخلق قصور أفهامهم عن الإحاطة بكتاب الله، وليبقى- دائما- في هذا القرآن ما ترتفع إليه الهمم.
2 -
قال عليه السلام بعد أن تلا آية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
…
: «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» رواه أحمد وفي رواية البخاري ومسلم وأبي داود: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» . ويدخل في هؤلاء كل الفرق الضالة- وما أكثرها- قال عليه الصلاة والسلام «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: وما هم يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» رواه الحاكم. ولذلك فإن علينا أن نعرف عقائد أهل السنة والجماعة. وأن نتمسك بالكتاب والسنة فهما صحيحا، وعملا مستقيما.
3 -
قال نافع بن يزيد واصفا سمت الراسخين في العلم قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله المتذللون في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف للراسخين في العلم هو: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من
الراسخين في العلم». ولنا عودة على هذا الموضوع.
4 -
هناك خلاف كثير، وكلام كثير حول تفسير المتشابه وأمثلته، وحول كون الراسخين في العلم يعلمونه أو لا يعلمونه، وننقل مجموعة نقول تفيد في عمق الفهم:
أ- روى ابن مردويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به» . وروى أبو يعلى الموصلي عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر- قالها ثلاثا- ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه- جل جلاله» . قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي لا أعلمه إلا عن أبي هريرة.
في هذين النصين تعريف بالموقف السليم من كتاب الله، فما اتضح لك وضوح الشمس فاعمل به، وما اشتبه عليك فسلم لله فيه. روى الإمام أحمد:«سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» .
ب- روى مجاهد عن ابن عباس وعائشة وعروة وغيرهم: «التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله» ومن العلماء من قال: التأويل يطلق ويراد في القرآن على معنيين، أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ. (سورة يوسف) وقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (سورة الأعراف) أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فهذا لا يعلمه إلا الله، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر: وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشئ كقوله نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ (سورة يوسف) أي: بتفسيره، فهذا يعرفه الراسخون في العلم، لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، ويدل على ذلك أنه ما من شئ في كتاب الله إلا وفسره المفسرون أو قالوا فيه، كل على حسب ما أعطاه الله- عز وجل من دقة الفهم وسعة العلم.
ج- من أمثلة المتشابه في القرآن: الحروف المقطعة في أوائل السور- قاله مقاتل ابن حيان- ومن أمثلة ذلك بعض آيات الصفات- قاله بعض علماء التوحيد- وللمفسرين اتجاهات كثيرة في تفسير المحكم والمتشابه، وما ذكرناه فيه كاف لإدراك الموقف الحق في هذا الموضوع.
5 -
رأينا أن من حال الراسخين في العلم، أنهم يدعون الله ألا يزيغ قلوبهم، وقد كان رسولنا عليه السلام يكثر في دعائه من مثل ذلك. روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:«يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» . وفي رواية عنها: كان يكثر من دعائه: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» . قالت:
قلت: يا رسول الله وإن القلب ليتقلب! قال: نعم: ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله- عز وجل فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه». وروي نفس المعنى عن عائشة. وأصل الحديث في الصحيحين. وروى النسائي وابن حبان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ في الليل قال:«لا إله إلا أنت، سبحانك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة؛ إنك أنت الوهاب» . هذا لفظ ابن مردويه.
6 -
روى عبد الرزاق عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه المغرب؛ فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل وقرأ في الركعة الثالثة: قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
7 -
ولا نجد أبلغ من الناحية العملية في معرفة الآيات المحكمات والآيات المتشابهات من الواقع الذي حدث خلال التاريخ، فما من فرقة ضالة من فرق الأمة الإسلامية إلا وتمسكت بنصوص فهمتها فهما خاطئا، وأولتها تأويلا فاسدا، ومن ثم فإننا نستطيع أن نقول: إن ما تمسكت به هذه الفرق كله من هذا الباب- باب الآيات المتشابهات- ثم إن هناك كثيرا من الدوائر الكافرة أرادت من خلال بعض النصوص أن تثبت اتجاهها الفاسد، في الوقت الذي تحارب الإسلام وتريد تكفير أهله، ولكنها تستر أمرها باعتماد نصوص وإخراجها عن معناها الصحيح وإهمال المحكم!!. فكذلك أمثال هذه النصوص يمكن اعتبارها من المتشابه.
8 -
نستطيع الآن من خلال الآيات الثلاث التي بدأت بالكلام عن المتشابه أن نحدد صفات الفرقة الناجية والفرق الضالة:
أما الفرقة الناجية فهي تتبع المحكم وتعمل به، وتؤمن بالمتشابه وتسلم لله فيه مع حملها له على المحكم، وفهمها له بما لا يتعارض مع المحكم، مع وجود مواصفات الربانية