الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حتى يغسل القرآن قلبه مرة بعد مرة، وكل ذلك بالحق وللحق، إذا أدركت هذه النقطة تكون قد أدركت حكمة من حكم التكرار، والتفصيل في القرآن وتكون قد عرفت سببا من أسباب كون القرآن على مثل هذا الترتيب.
فما أعظم كتاب الله، إذ يذكرنا في سورة على طريقة وبأسلوب وتسلسل، ثم يذكرنا في سورة أخرى على طريقة وبأسلوب وتسلسل، ثم وثم، فإذا وجد القلب الذي يحسن التلقي عن الله، فإنه لا ينتهي من تلاوة كتاب الله مرة إلا وقد تحقق وتعلق، ثم إذا كرر زاد التحقق والتعلق حتى يخلص الإنسان لله وكتابه وشرعه، فإذا رافق هذا عبادة وإقامة فرائض ونوافل، كان غسيل القلب كاملا، وشتان بين غسيل القلب هذا، وغسيل المخ عند الكافرين والظالمين، ففي عملية غسيل المخ يوضع المعذب والضحية كرها في شروط دقيقة معينة من الخوف والجوع، وتسلط عليه أنواع الهزء والسخرية فيما هو عليه، ثم تكرر عليه بعض المعاني بأساليب متعددة، وطرق متعددة، ليقلع عما هو فيه، ويسير فيما يريده جلادوه. أما غسيل القلب، فمنطلقه الاختيار، وهدفه الارتقاء، وظروفه الخوف والخشية، وأدواته العبادة والصوم والذكر، وزاده كتاب الله يصفي وينقي، وشتان بين العدل والظلم، والحرية والإكراه، والخوف من الله، والخوف من الجلادين، والعبادة والسوط، والمعاني السافلة الخسيسة، وكتاب الله.
وشتان بين ما يوصل إلى الجنة، وما يوصل إلى النار، وشتان بين الجنة والنار.
تذكير أخير بين يدي سورتي المائدة والأنعام:
نستطيع أن نقول: إنه بعد مقدمة سورة البقرة جاء مقطع يتألف من ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول منه فصلت فيه سورة النساء، والجزء الثاني منه فصلت فيه سورة المائدة، والجزء الثالث منه فصلت فيه سورة الأنعام، وهذا هو المقطع بأجزائه الثلاثة:
[سورة النساء (4): آية 21]
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)
[سورة النساء (4): الآيات 22 الى 29]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)
إن الجزء الأول من هذا المقطع وهو الآيات الخمس الأولى فصلت فيه سورة النساء ولكن قوله تعالى من هذه الآيات الخمس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* هو الذي أخذ الحيز الأكبر من السورة. فالسورة وضحت التقوى وما يدخل فيها، في مقاطعها كلها.
ولئن جاءت مقدمة سورة البقرة لتعرض صفات المتقين فههنا عرفنا التقوى من خلال الأمر والنهي، وتأتي سورتا المائدة والأنعام لتفصلا ما لم يفصل في سورة
النساء، أو تقول: إن المقطع المشار إليه في سورة البقرة فيه ثلاثة موضوعات متداخلة مترابطة، فجاءت سورة النساء لتفصل موضوعا، ثم سورة المائدة لتبين ما بعده، ثم سورة الأنعام لتبين الموضوع الأخير. وللإشعار بالتداخل وبوحدة المقطع، اجتمع في سورة النساء ما له صلة ببدايته وخاتمته.
وكما أن المقطع في سورة البقرة مرتبط بالمعاني الموجودة في مقدمتها لأنه يمثل الطريق إلى التحقق بصفات الفئة الأولى المذكورة فيها، والتحرر من صفات الفئتين الأخيرتين.
فسورة النساء هكذا. فالمعاني القرآنية يكمل بعضها بعضا، ويبني بعضها على بعض، فالسورة تفصل في محور وفي روابط المحور وفي امتدادات المحور.
ومن كان يتابع ما كتبنا حتى الآن أصبح باستطاعته أن يدرك الشئ الرئيسي الذي نلح عليه في هذا التفسير ويدرك أننا على بصيرة في سيرنا بفضل الله عز وجل.
ونحن لا نشك أن ما اتجهنا إليه في هذا التفسير في موضوع الوحدة القرآنية لا زال غامضا، ولا زالت أدلته غير واضحة، ولكنا كذلك لا نشك أن قارئ هذا التفسير من بدايته إلى نهايته سيتكامل معه صرح الأدلة حتى لا يشك أبدا في صحة ما اتجهنا إليه إن شاء الله.
ونحب أن نستبق الأدلة فنقول: هل للصدفة محل في هذا الكون الذي هو صنع الله؟
حتما الجواب لا:
هذا ما يقوله كل مؤمن، وعندئذ يأتي السؤال الثاني: هل هناك شئ في هذا الكون ينفك عن الحكمة؟ والجواب حتما: لا فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للكون المخلوق، فما بالك بالقرآن الذي هو كلام الله، لا شك أن كل حرف في محله، وأن كل كلمة في محلها وأن كل آية في محلها، وأن كل سورة في محلها، وأن كل شئ فيه في محله لفي غاية الحكمة، والله وصف كتابه بالحكمة فهذا الكتاب الحكيم بكل ما فيه لا تنتهي
عجائبه.
إن إدراكنا لهذه البدهية ينبغي أن يكون قاطعا للعجب في أن نحاول محاولتنا هذه التي يراها القارئ؛ لأنها محاولة للإجابة على كثير من الأسئلة المرتبطة بحكمة الله في أن يجعل كتابه على ما هو عليه.
وسيرى القارئ كلما أوغلنا في هذا التفسير أن الأدلة ستتضافر لتأكد صحة ما اتجهنا إليه في موضوع الوحدة القرآنية وما عليه إلا أن يتابع وينصف.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.