الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعنى العام
يخبر تعالى في هذه المجموعة من الآيات عن اليهود- عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم. يشترون به ثمنا قليلا من حطام الدنيا. ويودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى، والعلم النافع. ثم بين الله- عز وجل أنه الأعلم منا بأعدائنا.
ثم ذكرنا أنه كفى به وليا لمن لجأ إليه، ونصيرا لمن استنصره، ثم بين لنا بعض طبائع اليهود في كونهم يتأولون كتاب الله على غير تأويله. ويفسرونه بغير مراد الله- عز وجل منه قصدا وافتراء. ومن صفاتهم، أنهم يعلنون السمع، والعصيان، بدلا من إعلان السمع والطاعة. وهذا أبلغ في الكفر، والعناد. أن يتولى الإنسان عن كتاب الله بعد ما عقله. ومن صفاتهم، أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ. أي: اسمع ما نقول، لا سمعت. استهزاء منهم، واستهتارا. فما أحقره من خلق. ومن صفاتهم أنهم يقولون القول ويريدون غيره، إيهاما للسامع، كقولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وَراعِنا التي ظاهرها طلب الإقبال والرعاية. وهم يريدون السب بإرادتهم الرعونة، أو بإرادتهم كلمة عبرانية معناها سب. ثم بين الله- عز وجل أنهم لو أعلنوا السمع والطاعة، وطلبوا السمع والإنظار، لكان خيرا لهم، وأقوم. ولكن قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شئ نافع لهم، بسبب الكفر المستقر في قلوبهم. ثم نادى الله أهل الكتاب، آمرا بالإيمان بما نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات. ومهددا لهم إن لم يفعلوا أن يطمس وجوههم. فلا يبقي لهم سمعا، ولا بصرا. ولا أنفا. ومع ذلك يردها إلى ناحية الأدبار. أو يفعل بهم كما فعل بالذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير. ثم هدد الله- عز وجل أنه إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف، ولا يمانع. ثم بين الله- عز وجل الأصل العظيم الذي يعامل به عباده. وهو أنه من لقيه وهو مشرك به لا يغفر له. أما ما دون ذلك من الذنوب، فإنه يغفرها إن شاء. أو يعذب عليها إن شاء. ثم بين أن الشرك بالله إنما هو افتراء يأثم به صاحبه إثما عظيما. ثم يعود السياق إلى لفت نظر أهل الإيمان إلى حالة أخرى من حالات أهل الكتاب ينبغي أن تكون واضحة عند أهل الإيمان. هذه الحالة الثانية هي مدح أهل الكتاب لأنفسهم ودعاواهم، كقولهم نحن أبناء الله
وأحباؤه. ثم يبين الله- عز وجل أن الشأن ليس أن تزكي نفسك ولكن أن يزكيك الله، فالمرجع إليه، لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها، وأنه لا يظلم أحدا من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل (وهو ما يكون في شق النواة). ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرى افتراءهم على الله الكذب في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات، والأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية يؤكد أن هدف المجموعة هو توضيح الرؤية ثم بين الله- عز وجل أنه كفى بصنيعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا. وبعد أن وضح الله للمؤمنين الرؤية في هاتين القضيتين، وضح لهم الرؤية في قضية ثالثة عند أهل الكتاب، وهي إيمانهم بالسحر والشيطان إيمان المطيع المستعمل، وأنهم يفضلون الكفار وعباد الأصنام على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم، ثم بين أن هؤلاء يستحقون لعنة الله- وقد لعنهم- وأن الذي يلعنه الله فإن أحدا ما لا يستطيع نصره. ثم أنكر الله- عز وجل عليهم حالهم من أنهم لو كان لهم نصيب من الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس- ولا سيما محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا ولا ما يملأ النقير: وهو النقطة التي في النواة. ثم أنكر الله- عز وجل حسدهم النبي صلى
الله عليه وسلم على ما رزقه من النبوة العظيمة. وكيف منعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب، وليس من بني إسرائيل، ولكنها طبيعتهم، فقد جعل الله في أسباط بني إسرائيل- الذين هم من ذرية إبراهيم- النبوة، وأنزل عليهم الكتب، وحكم النبيون فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعل منهم الملوك ومع هذا فمنهم من آمن به، أي: بهذا الإيتاء، وهذا الإنعام، ومنهم من صد عنه، أي: كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهم منهم، ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟. ثم تهددهم الله بقوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
ونظرة إلى هذه المجموعة ترينا أنها توضح الرؤيا للمتقين بطبائع أهل الكتاب، ومواقفهم، كيلا نغتر بهم. ونظرة إلى واقع أهل الكتاب الحالي ترينا أن خصائصهم السيئة هذه مستمرة، مستقرة، سواء في ذلك اشتراؤهم الضلالة، وإرادتهم ضلالنا، ودعاواهم، وتزكيتهم لأنفسهم، وتزيينهم الكفر لأهله، وتفضيله على هذا الإسلام سواء كان مجوسية، أو بوذية، أو هندوسية، وحرصهم على الخير لأنفسهم.
وحسدهم لمن أوتي شيئا من الفضل غيرهم، حتى إنهم ليسرقون كثيرا من النظريات