المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الكتاب الرابع في ذكر الجنة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها - البحور الزاخرة في علوم الآخرة - جـ ٣

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الكتاب الرابع في ذكر الجنَّة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها

- ‌الباب الأول في ذكر أبوابها وما يتعلق بذلك

- ‌فصل في مفتاح الجنَّة

- ‌الباب الثَّاني في مكان الجنَّة ومنشورها وتوقيعها وتوحد طريقها

- ‌فصل

- ‌فصل في توحيد طريق الجنَّة

- ‌الباب الثالث في درجات الجنةِ وأعلاها وما أسم ملكاً الجنَّة

- ‌فصل

- ‌الباب الرابع في عرض الرب الجنَّة على العباد، وعدد الجنان، وأسمائها، وذكر السابقين إليها وإن كثر أهلها

- ‌فصل

- ‌فصل في أسماءِ الجنَّةِ ومعانيها واشتقاقها

- ‌فصلٌ في عددِ الجنات وأنواعها

- ‌فَصْلٌ

- ‌فصلٌ في ذكر أوَّل من يقرع بابَ الجنَّةِ

- ‌فصل

- ‌فصل وتقدم أنَّ الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنةِ بخمسمائة عام

- ‌فصل في أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم

- ‌فصل في أنَّ أكثر أهل الجنة هذه الأمّة المطهرة

- ‌الباب الخامس في تربة الجنة ونورها وغرفها وقصورها وخيامها وما يلحق بذلك

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب السادس في صفة أهل الجنة وأعلاهم وأدناهم منزلة وتحفتهم إذا دخولها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثامن في ذكر أنهار الجنَّة وعيونها، وطعام أهلها، وشرابهم، ومصرف ذلك وآنيتهم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب التاسع في ذكر لباس أهل الجنَّة، وحليهم، ومناديلهم، وفرشهم، وبسطهم، ووسائدهم وسررهم وأرائكهم

- ‌فصل ومن ملابس أهل الجنَّةِ التيجان على رءوسهم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب العاشر في ذكر خدم أهل الجنَّة، وغلمانهم، ونسائهم، وسراريهم، والمادة التي خلق منها الحور العين، ونكاحهم، وهل في الجنَّة ولد أم لا

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في الإشارة إلى غريب هذا الحديث العظيم

- ‌الباب الحادي عشر في ذكر سماع أهل الجنَّة، وغناء الحور العين، وذكر مطاياهم، وزيارة بعضهم بعضًا

- ‌فصل

- ‌فصل زيارة أهل الجنَّة لبعضهم بعضا

- ‌فصل في ذكر سوق الجنَّة، وما أعدَّ الله فيها لأهلها

- ‌فصل

- ‌فصل في تكليمه سبحانه وتعالى لأهل الجنَّة

- ‌الباب الثالث عشر في أن الجنَّة فوق ما يخطر بالبال، ويتوهمه الخيال، أو يدور في الخلد، وفوق ما يصف كلّ أحد كيف؟ وموضع سوط منها خير من الدُّنيا وما فيها

- ‌الباب الرابع عشر في فصول جامعة وحكم هامعة

- ‌الفصل الأول في ذكر آخر أهل الجنَّةِ دخولًا

- ‌الفصل الثاني في لسان أهل الجنَّةِ

- ‌الفصل الثالث في احتجاج الجنَّة والنَّار

- ‌الفصل الرابع في امتناع النوم على أهل الجنَّةِ

- ‌الفصل الخامس في ارتقاء العبدِ وهو في الجنَّة من درجة إلى درجة أعلى منها

- ‌الفصل السادس في إلحاق ذرية العبد المؤمن به في الدرجة وإن لم يعملوا عمله

- ‌الفصل السابعفي مسألة عظيمة، ونكتة جسيمة

- ‌الفصل الثامن ترفع جميع العبادات في الجنَّة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة، لا تبيد، ولا ترفع حتى في دار الجزاء

- ‌الباب الخامس عشر فيمن يستحق لهذه الدار من الملل والأنفار

- ‌تتمة

- ‌الكتاب الخامس في ذكر النار وصفاتها وشدة عذابها أعاذنا الله تعالى منها بمنه وكرمه

- ‌الباب الأول في ذكر الإنذار والتحذير من النَّار، والخوف منها، وأحوال الخائفين من تلك الدار

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثاني في ذكر مكان جهنم وطبقاتها ودركاتها وصفاتها وقعرها وعمقها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثالث في ذكر أبواب جهنم وسرادقها وظلمتها وشدة سوادها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل وأما ظلمتها وشدة سوادها

- ‌الباب الرابع في شدة حر جهنم وزمهريرها وسجرها وتسعيرها وتغيظها وزفيرها أعاذنا اللَّه منها

- ‌فصل وأما زمهريرها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر دخان جهنم وشررها ولهبها

- ‌الباب الخامس في ذكر أودية جهنم وجبالها وعيونها وأنهارها

- ‌ما جاء في جبال جهنم أجارنا اللَّه منها ووالدينا

- ‌الباب السادس في ذكر سلاسلها وأغلالها وحجارتها وأنكالها وحياتها وعقاربها

- ‌فصل وأما حجارتها

- ‌فصل وأما حيات جهنم وعقاربها

- ‌الباب السابع في ذكر طعام أهل النار وشرابهم وكسوتهم وثيابهم

- ‌فصل وأمَّا شرابهم

- ‌فصل وأما كسوة أهل النار وثيابهم

- ‌فصل

- ‌الباب الثامن في عظم خلق أهل النار، وقبحهم، وأنواع صفاتهم بحسب أعمالهم

- ‌فصل في أنواع عذاب أهل النار، وتفاوتهم في ذلك في دار البوار على حسب ما اقترفوا من الذنوب والأوزار

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فيما يتحف به أهل النارِ عند دخولهم دار البوار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه

- ‌فصل في بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الذي لا يستجاب لهم

- ‌فصل

- ‌فصل في نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وكلام بعضهم بعضا

- ‌الباب التاسع في ذكر خزنة جهنَّم، وزبانيتها

- ‌الباب العاشر في ذكر حال الموحدين في النار، وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين، وشفاعة الشافعين وفي أكثر أهل النار، وأصنافهم

- ‌فصل

- ‌فصل في حسن الظن بالله تعالى

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر أوّل من يدخل النار من سائر البشر وفي أول من يدخلها من عصاة الموحدين

- ‌تتمة في مسائل متفرقة

- ‌المسألة الأولى في خلود أهل الدارين فيهما:

- ‌المسألة الثانية في أصحاب الأعراف

- ‌المسألة الثالثة: في أطفال المشركين

- ‌المسألة الرابعة: في أهل الفترة ونحوهم

- ‌الخاتمة وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في التوبة

- ‌فصل

- ‌الفصل الثاني: في المحبة

- ‌المقصد الأوّل: في لزوم المحبة له سبحانه وتعالى

- ‌المقصد الثاني: في علامات المحبة الصادقة والتذاذ المحبين بها

- ‌ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم على درجتين:

- ‌تكملة في بعض أحوال أهل المحبة وهي أكثر من أن تذكر في مثل هذا المختصر وأعظم من أن تحصر أو تحد بالنظر

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الكتاب الرابع في ذكر الجنة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها

‌الكتاب الرابع في ذكر الجنَّة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها

جعلنا الله تعالى مِن أهلِها من غير سابقة عذاب، ولا مناقشة حساب قد تقدم أنَّ الجنَّةَ لا تدخل بالأعمال وإنَّما تدخل برحمة الكريم المتعال، وفضل ذي المنة والنوال، وقد ذكرنا أيضاً أنَّها موجودةٌ الآن ولكن لابد من زيادة هذا المقام توضيحًا وتحريرًا وتنقيحًا.

قال الإمام المحقق ابن القيِّم في كتابه "حادي الأرواح" إلى منازلِ الأفراح (1): لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون، وتابعوهم، وأهل السُّنةِ والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتابِ والسنَّةِ وما علم بالضرورة من أخبارِ الرسل عليهم الصَّلاة والسلام كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنَّهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها إلى أَنْ نبعَت نابعَة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون الجنَّة الآن مخلوقة قالت: بل الله ينشئها يوم القيامة والمعاد وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله وأنَّه ينبغي له أن يفعلَ كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا وقاسوه على خلقه في أفعالهم (2) فهم

(1) حادي الأرواح ص 11.

(2)

في (ب)، و (ط):(أفعاله).

ص: 935

مشبهة في الأفعالِ، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات وقالوا: خَلق الله الجنَّةَ قبل الجزاء عبث فإنَّها تفسير معطلة مُدَدًا متطاولة ليس فيها سكانها.

قالوا: ومن المعلوم أنّ مَلِكا لو اتخذ دارًا وأعدَّ فيها ألوانَ الأطعمة، والآلات، والمصالح وعطلها من النَّاسِ، ولم يمكّنهم مِنْ دخولها قرونًا متطاولة لم يكن ما فعله واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلاً إلى الاعتراض عليه.

قال المحقق قدس الله روحه: هؤلاء حجروا على الرب بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة، وشبهوا أفعاله تعالى بأفعالهم، وردّوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة [يعني: شريعتهم الباطلة] التي وضعوها، وحكموا ببدعةِ وضلالِ مَن خالفهم فيها، والتزموا لها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء.

ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنَّةَ والنَّار مخلوقتان

ويذكر (1) من صنف في المقالات (2) أنَّ هذه مقالة أهْل السُّنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها، ثم ذكر عقائد أهل السنة ومقالاتهم، ثم ذكرَ الأحاديث والآيات الواردة الدّالة على أنَّ الجنَّة كالنَّار موجودتان الآن وأطالَ بما لم أر في سائر كتب الإسلام أغزر منه تحقيقًا، ولا أظهر منه تدقيقًا فجزاه اللهُ خيرًا (3).

(1) في (ب)، و (ط)(ويذكره).

(2)

أي في مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري.

(3)

الفقرة الأخيرة مختصرة من حادي الأرواح ص 11 - 12.

ص: 936

احتج المخالفُ أنَّها لو كانت الآن مخلوقة لوجب أن تفنى، وأنْ يهلك كلُّ ما فيها ويموت لقوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] و {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] قال: فتموت الحور العين التي فيها، والولدان. قالوا: والدار دار خلود وقد أخبرَ سبحانه بأنَّها دارُ خلودِ فلا يموت من فيها، ولا يبيد وخبره لا يجوز خلفه ويستحيل نسخه أي؛ لأنَّه خبر محض وهو غير جائز. وقد أخرجَ التِّرمذيُّ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم قال:"لقيتُ إبراهيم ليلةَ أسري بي فقال: يا محمَّد أَقرئ أمتك مني السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّةَ طيبةُ التربةِ عذبة الماءِ، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر" قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريب (1).

وأخرجَ أيضاً عن جابر رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال:"مَنْ قالَ: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنَّة" قال: حديث حسن صحيح (2).

(1) رواه التِّرمذيُّ (3462)، والطبراني في "الصغير"(530)، وضعفه المنذر في 2/ 425، والهيثمي 10/ 91 لكن يشهد لَهُ حديث أبي أيوب عند أحمد 5/ 418.

(2)

رواه التِّرمذيُّ (3464)، وابن أبي شيبة 10/ 290 (الهندية)، وابن حبان (2335 - موارد)، والحاكم 1/ 501 - 502 وصحَّحه. وهو في الصحيحة للألباني (64): وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند البزار (3079 - كشف)، وحديث معاذ بن أنس عند الإمام أحمد 3/ 440.

ص: 937

قال المخالف: فلو كانت الجنةُ مخلوقةً مفروغًا منها لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغراس معنى وقد قال تعالى حاكيًا عن امرأة فرعون أنَّها قالت:{رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11] ومحال أن يقولَ قائلٌ: لِمَنْ نسجَ ثوبًا أو بنى له بيتًا: انسجْ لي ثوبًا، وابن لي بيتًا. وأصرح من هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"من بنى للهِ مسجدًا بنى اللهُ له بيتًا في الجنةِ" متَّفقٌ عليه (1). وهذه جملة مركبة من شرطٍ وجزاء تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهْل العربيَّة وهذا ثابت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من رواية عثمان بن عفَّان، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن عنبسة رضي الله عنهم.

قال المخالف: وقد جاءت آثارٌ بأنَّ الملائكةَ تغرس فيها، وتبني للعبدِ ما دام يعمل فإذا فتر فترت الملائكةُ عن العملِ. قال: وقد روى ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى

(1) من رواية عثمان بن عفَّان البُخاريّ (450)، ومسلم (533)، وجاء من رواية عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة (1/ 310)، وابن خزيمة (735)، وأحمد (1/ 20، 53)، وعلي عند ابن ماجة (737، وجابر عند ابن ماجة (738)، وابن خريمة (1292) والطحاوي في "مشكل الآثار"(1/ 486)، وابن عباس عند أحمد (1/ 241)، والطيالسي (2617)، والبزار (402)، وجاء من رواية عمرو بن عبسة عند أحمد (4/ 386)، والنَّسائيُّ (2/ 31). ومن رواية أنس عند التِّرمذيُّ (319)، وأبي ذر عند ابن أبي شيبة (1/ 309، 310)، والطيالسي (461)، والبزار (401). ومن رواية أبي بكر وأبي أمامة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم.

ص: 938

الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا: "إذا قبض اللهُ ولداً لعبد قال: يا ملك الموت قبضت قرة عينه وثمرة فؤادِه؟ قال: نعم. قال: فما قال عبدي؟ قال: حمدك، واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنةِ وسموه بيت الحمد"(1).

وفي المسند أيضاً من حديثه أيضاً قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى له بيت في الجنَّة"(2).

قال المخالف: وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم فهذا ابن مزين قد ذكر في "تفسيره" عن نافع وهو من أئمة السنة أنَّه سئل عن الجنةِ: أمخلوقة هي؟ فقال: السكوت عن هذا أفضل.

هذه شبه أهل الاعتزال والزيغ والضلال والجواب مع ما تقدم عن هذه الشبه أن نقول لهم: ما تعنون بقولكم لم تخلق بعد؟ أتريدون أنَّها الآن عدم محض لم تبرز إلى الوجودِ كالنفخِ في الصورِ، وقيام النَّاس من القبور؟ فهذا باطلٌ مردود وقائله مدحوض مبعد بالأحاديث الصحيحة، والأخبار الصريحة وهو قول مخترع لم يقله أحد

(1) أحمد (4/ 415) عبد بن حميد (551) البغوي في السنة (1549) ابن حبان (2948).

(2)

أحمد (4/ 403)(6/ 326)، والبزار (701، 702)، و "الأوسط"(9432) وله شاهد من رواية أم حبيبة عند مسلم (728)، وأحمد (4/ 413)(6/ 426)، وأبو داود (1250)، وعائشة عند ابن أبي شيبة (2/ 203)، والترمذي (414)، وابن ماجة (1140)، وأبي هريرة عند ابن أبي شيبة (2/ 204)، وابن ماجة (1142)، والنَّسائيُّ (3/ 264)، وأحمد (2/ 498).

ص: 939

من السلف، ولا من أهْلِ السنة وهو رأي أهل البدع وبرده وتزييفه أئمة السنة والجماعة، والأكابر قطعام تريدون أنَّها لم تخلق بكمالها لها، وجميع ما أعد الله لأهلها من نسائها ورجالها، وأنَّها لا يزال الله يحدث فيها شيئًا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورًا أخرى فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم إنَّما تدل على هذا القدر، وحديث ابن مسعود، وحديث جابر (1) صريحان في أن أرضها مخلوقةٌ، وأنَّ الذكرَ الذي ينشئ الله سبحانه وتعالى لقائله منه غراسًا في تلك الأرض، وكذا بناء البيوت بالأعمال المذكورة، والعبد كلَّما وسع في الأعمالِ الصالحةِ وسع اللهُ له في الجنةِ، وكلَّما عمل خيرًا غرس له هناك غراس وبني له بيت وأنشئ له من العمل أنواع مما يتمتع به وهذا لا يدل على أنَّ الجنَّةَ لم تخلق بعد ولا يسوغ إطلاق ذلك أبداً.

وأمَّا احتجاجكم بقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} فإنَّما أوتيتم ذلك من عدم فهمكم معنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنَّةِ والنَّار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلا أنتم وفقتم لفهم معناها، ولا إخوانكم، وإنَّما وفق لذلك السلف الصالح وأئمة الإسلام.

قال البُخاريّ في صحيحه: قوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}

(1) انظر ص (939).

ص: 940

أي: إلَّا ملكه ويقال إلَّا ما أريد به وجهه وقال إمام السنة (1) سيدنا الإمام أحمد طيب الله ثراه في رواية ابنه عبد الله: فأمَّا السماء والأرض فقد زالتا؛ لأنَّ أهلهما صاروا إلى الجنَّةِ، وإلى النَّارِ وأمَّا العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنَّه سقف الجنَّةِ والله سبحانه وتعالى عليه فلا يهلك ولا يبيد، وأمَّا قوله تعالى: وذلك أن الله تعالى أنزل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)} [الرحمن: 26] فقالت الملائكة: هلك أهلُ الأرضِ وطمع أهلُ السماء في البقاء فأخبرَ سبحانه من أهْلِ السماوات، وأهل الأرض أنَّهم يموتون فقال:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} لأنَّه حي لا يموت فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت وقال في رواية أبي العباس قال: قال أبو عبد الله الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: هذه مذاهب أهل العلمِ وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت مَن أدركت من أهلِ الحجازِ والشام وغيرهم على {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ها فمنْ خالفَ هذه المذاهب أو طعنَ فيها أو عاب قائلَها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج أهلِ السُّنةِ وسبيل الحق فَسَاقَ أقوالَهم إلى أن قال وقد خلقت الجنَّة وما فيها، وخلقت النَّار وما فيها خلقهما الله عز وجل وخلق كل شيء أنخلق لهما فلا يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا فإنْ احتج مبتدع، أو زنديق بقول اللهِ عز وجل:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] وبنحو هذا من

(1)"الرد على الجهمية والزنادقة" ص 148، تحقيق/ عميرة.

ص: 941

متشابه القرآن قيل له: كل شيءٍ مما كتب عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاءِ لا للفناء والهلاك وهما من الآخرة لا مِن الدُّنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا يذقن الموت أبداً؛ لأنَّ الله عز وجل خلقهن للبقاءِ لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل.

قال: وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسَّماء الدُّنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كلِّ سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء السابعة وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء والله عز وجل على العرشِ والكرسي موضع قدميه وهو يعلم ما في السماوات، والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعرِ البحرِ، ومنبت كل شعرة، وشجرة، وزرع، وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل والحصى والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم، ويعلم كل شيءٍ لا يخفى عليه من ذلك شيء وهو على العرشِ فوق السَّماء السابعة ودونه حجب من نار، ونور، وظلمة وما هو أعلم بها.

قال: فإن احتج مبتدعٌ ومخالف بقول اللهِ عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16](1) وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4]{إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] ونحو هذا من متشابه القرآن

(1) ورد في هامش الأصل: حبل الوريد: مثل في القرب، والوريدان: عرقان مكتنفان لصفحة العنق أهـ.

ص: 942

فقل: إنَّما يعني بذلك العلم؛ لأنَّ الله عز وجل على العرشِ فوق السَّماءِ السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان.

وقال الإمام أحمد رضي الله عنه أيضاً في رواية أبي جعفر الطَّائي محمَّد بن عوف بن سفيان الحمصي (1) قال الخلال في حقه: حافظ إمام في زمانه معروف بالتقدم في العلم والمعرفة كان الإمام أحمد رضي الله عنه يعرف له ذلك، ويقبل منه، ويسأله عن الرجال من أهَل بلده قال: أملى عليَّ الإمام أحمد بن حنبل فذكر من "رسالته في السنة"(2) ثم قال في أثنائها: وأنَّ الجنَّةَ والنارَ مخلوقتان قد خلقتا كما جاء في الخبر قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "دخلتُ الجنَّةَ فرأيت فيها قصراً ورأيت الكوثر (3)، واطلعت في النَّارِ فرأيت "أكثر أهلها كذا وكذا" (4) فمنْ قال: إنَّهما لم

(1) هو الحافظ المجود الثقة محمَّد بن عوف الطَّائي، قال فيه الإمام أحمد ما كان بالشام منذ أربعين سنة مثل محمَّد بن عوف، توفي سنة سبعين ومئتين. انظر "طبقات الحنابلة"(1/ 310)"سير أعلام النبلاء"(12/ 613).

(2)

انظر "طبقات الحنابلة"(1/ 311، 313) للاطلاع على نص الرسالة.

(3)

هذا الشطر مجموع من حديثين من رواية أنس "دخلت الجنَّة فرأيت فيها قصراً" أخرجه البُخاريّ (3680)، والترمذي (3688)، وأحمد (3/ 107) ولفظه "ورأيت الكوثر" ليس بهذا اللفظ وإنَّما هو بلفظ:"دخلت الجنَّة، فإذا أنا بنهر" الحديث أخرجه أحمد (3/ 103)، البغوي (4343)، وابن حبان (6472، 6473).

(4)

ورد في هامش الأصل: كالحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن أنس، والبخاري والترمذي عن عمران بن حصين قَالَ:(قَالَ صلى الله عليه وسلم): =

ص: 943

يخلقا فهو مكذب لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن كافر بالجنَّةِ والنَّار يستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ.

وقال في رواية عبدوس بن مالك العطار (1) وذكر رسالة في السنة إلى أن قال (2): والجنة والنَّار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلعت في الجنَّة -فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا، واطلعت في النَّارِ فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا"(3). فمنْ زعم أنَّهما لم يُخلقا فهو مكذب بالقرآن، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحسبه يؤمن بالجنةِ والنَّار لخصت هذا كله من كلام الإمام المحقق في حادي الأرواح وقد أجاد وأفاد قدس الله روحه ونور ضريحه.

تنبيه: لا يذهب وهمك من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه إلى نوع تشبيه أو تمثيل معاذ الله فهو رضي الله عنه أبعد خلق الله من ذلك ولكن نؤمن بأنَّ الله كما أخبر لَا كما يخطر للبشرِ فهو

= "اطلعت في الجنَّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النَّار فرأيت أكثر أهلها النساء" أهـ. البُخاريّ (3241)، الترمذي (2603)، أحمد (4/ 429).

(1)

كانت له عند الإمام أحمد منزلة وله به أنس شديد وكان يقدمه، وقد روى عن الإمام أحمد مسائل لم يروها أحد غيره، ولم تقع إلينا كلها. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة"(1/ 241)، "المنهج الأحمد"(1/ 435)، "سير أعلام النبلاء"(11/ 182)، يسر الله إتمام شرحها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات فقد شرحتها على الطلاب أكثر من ثلاث مرات في القصيم، الباحة، أبها.

(2)

انظر "طبقات الحنابلة"(1/ 241).

(3)

كما في حديث عمران بن حصين عند البُخاريّ (3241) وتقدم.

ص: 944

مستو على عرشِه استواء يليق بذاته من غير تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل، ولا تمثيل وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك والله أعلم. إذا علمت أن الجنَّةَ مخلوقةٌ، وأنَّها موجودة الآن فلنتكلم على صفتها في خمسة عشر باباً.

ص: 945