الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في أنَّ أكثر أهل الجنة هذه الأمّة المطهرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَا تَرضَون أنْ تكونوا رُبُعَ أهل الجنَّةِ؟ " فكبَّرنا، ثم قال:"أما ترضون أنْ تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة؟ " فكبرْنا، ثم قال:"إنِّي لأرجو أنْ تكونوا شطر أهلِ الجنة، وسأخبركم عن ذلك ما المسلمونَ في الكفارِ إلا كشعرة بيضاء في ثورٍ أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض" رواه البخاري، ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ولفظ البخاري "كشعرة بيضاء في ثور أسود، وكشعرة سَوداء في ثور أبيض"(1) بغير ألف.
وأخرج الإمام أحمد، والترمذي بسند صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أهلُ الجنةِ عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا"(2)(3).
وأخرج عبدُ اللهِ ولد الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه
(1) رواه البخاري (6528)، ومسلم (221).
(2)
ورد في هامش الأصل: لفظ الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن بريدة والطبراني والحاكم عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، وأبي موسى مرفوعًا:"أهل الجنة عشرون ومائة"، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم "أهـ.
(3)
رواه الترمذي (2546)، وأحمد 5/ 347.
قال: لمَّا نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة" قال الطبراني: تفرد به ابن المبارك عن الثوري (1).
واعلم أنَّه لا تنافي بين هذه الروايات، وبين حديثِ الشَّطر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجا أنْ يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه، وزاده عليه شيئا آخر قاله في حادي الأرواح.
واعلم أنَّ النّساء في الجنة أكثر مِنَ الرِّجالِ كما أنَّ النار كذلك لما ثبت في الصحيحين عن محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا وإمَّا تذاكروا، الرِّجَالُ أكثر في الجنةِ أمِ النساء؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: ألم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أوَّل زمرة تدخل الجنةَ علىَ صورة القمر ليلةَ البدرِ والتي تليها على أضوء كوكبٍ دري في السماء لكل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة عزب"(2).
قال في "حادي الأرواح"(3): فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال، وإنْ كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر، والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد عن أبي
(1) رواه أبو نعيم 7/ 101 عن الطبراني عن عبد الله بن أحمد، وهو أيضًا من نفس الطريق في "موضح أوهام الجمع" 2/ 393.
(2)
رواه البخاري (3254)، ومسلم (2834).
(3)
"حادي الأرواح"(180).
هريرة مرفوعًا: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كلّ واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"(1).
فإن قيل: كيف هذا مع حديث جابر المتفق عليه: شهدت مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم العيد صلى قبل أنْ يخطب بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب بعدما صلى فوعظ الناس وذكرهم، ثم أتى النساء فوعظهن ومعه بلال فذكرهن، وأمرهن بالصدقة قال: فجعلت المرأة تلقي خاتمها وخرصها والشئ كذلك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا فجمع ما هناك. قال: "إن منكن في الجنة ليسير" فقالت امرأة: يا رسول الله لم؟ قال: "إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير"(2) وفي الحديث الآخر: "إن أقل ساكني الجنة النساء"(3)(4).
فالجواب كما في حادي الأرواح: إن هذا يدل على أنهن إنما كنّ في الجنة أكثر بالحور العين اللاتي خلقن في الجنة وأقل ساكنيها باعتبار نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار (5).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عمارة بن خريمة بن
(1) رواه أحمد 2/ 345.
(2)
رواه البخاري (1462)، ومسلم (885).
(3)
ورد في هامش الأصل: أي: في أول الأمر قبل خروج عصاتهن من النار، فلا دلالة فيه عَلَى أن نساء الدنيا أقل من الرجال في الجنة. كذا قاله المناوي وهو مخالف لما اختاره المحقق أهـ كاتبه.
(4)
رواه مسلم (2738)، وأحمد 4/ 427.
(5)
"حادي الأرواح" 180 - 181.
ثابت قال: كنا مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة حَتَّى إذا كنا بمر الظهران فإذا امرأة في هودجها قال: فمال فدخل الشعب فدخلنا معه فقال: كنا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذا المكان فإذا نحن بغربان كثيرة فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنَّة من النساء إلا مثل هذا الغراب في هذه الغربان"(1).
قال في حادي الأرواح: الأعصم من الغربان الذي في جناحه ريشة بيضاء. قال الجوهري: ويقال هذا كقولهم: الأبلق: العقوق، وبيض الأنُوق لكلِّ شيء يعزّ وجوده. وفي النهاية (2): الغراب الأعصم هو الأبيض الجناحين وقيل الأبيض الرجلين أراد قلّة من يدخل الجنة من النساء؟ لأنّ هذا الوصف في الغربان قليل عزيز.
وفي حديث آخر: "المرأة الصالحةُ مثل الغراب الأعصم" قيل: وما الغراب الأعصم؟ قال: "الذي إحدى رجليه بيضاء"(3) وفي حديث آخر: "عائشة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان".
قلت: فهم مما ذكرنا أن في الغراب الأعصم أربعة أقوال: أحدها: إنَّه الذى إحدى رجليه بيضاء كما في الحديث.
(1) رواه أحمد 4/ 197، 205، وأبو يعلى (7343)، وعبد بن حميد (294)، والنسائي في "الكبرى"(9268)، والبيهقي في "الشعب"(7817)، والحاكم (4/ 602).
(2)
"النهاية"(3/ 249).
(3)
رواه الطبراني في "الكبير" 8/ 237 - 238 (7817)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 273: رواه الطبراني، وفيه مطرح بن يزيد، وهو مجمع على ضعفه.
الثاني: إنه الذي في جناحه ريشة بيضاء.
الثالث: إنه أبيض الجناحين.
الرابع: إنه أبيض الرجلين، وثم قول خامس ذكره الغزالي في الإحياء قال: والأعصم أبيض البطن.
وفي وصيّة لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة السّوء فإنَّها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر.
قال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبّه الله في النَّارِ. وقال عمر رضي الله عنه: خالفوا النّساء فإنَّ في خلافهن البركة. وقد قيل شاورهن، وخالفوهن (1).
نكتة: الذي يظهر لي من الدليل والتعليل أنَّ النساء في الدنيا أكثر من الرجال، أمَّا الدليل فأخرج أبو يعلى الموصلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حَدَّثنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه فذكَر حديثًا طويلاً وفيه: "فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله، وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا"(2). وذكر الحديث. ومن المعلوم أن لا عزب في الجنة جزما
(1) ضعفه في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1367) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
أصرح منه حديث أبي نعيم في "صفة الجنة"(370) من رواية أبي أمامة وابن ماجه في "السنن"(4337)، والبيهقي في "البعث"(367) أن المؤمن يزوج ثنتين من الحور وسبعين من أهل ميراثه من أهل الدنيا. الحديث وهو ضعيف. انظر ص 1068.
وأما التعليل: فإنَّ الله سبحانه وتعالى أحلَّ للرجل أنْ يأخذ أربعة من النّساء، ولا يحل للمرأة أنْ تجمع بين زوجين بخلاف الرَّجل فإن للحرّ أنْ يجمع بين أربع، وللرقيق أن يجمع بين ثنتين والذي يليق بحكمة أحكم الحاكمين، بل الذي تقتضيه الحكمة أن يكون النساء في الدنيا أكثر من الرجالِ؛ لأن فعل البارئ سبحانه مقرون بالحكمة، وليس من الحكمة أن يجعل للكثير جمعًا من القليل، بل الحكمة تقتضي أن يكون الكثير متوزعًا على القليل فلمَّا نظرنا إلى حكمةِ البارئ، ورأيناه جلّ شأنه أحلّ للرجل الجمع بين أربع في آن واحد علمنا أنَّ النّساء أكثر مِنَ الرِّجالِ، وهذه النكتة والتعليل لم أر من سبقني إليها، والظاهر أنَّهم تكلَّموا وإنْ لم أره. والله أعلم.
ثم رأيت عبارة لطيفة للإمام ابن عقيل نقلها عنه في "الفروع"(1) ونصه في الفنون قال فقيه: شهوة المرأةِ فوق شهوة الرَّجل تسعة أجزاء، فقال حنبلي: لو كان هذا، ما كان له أنْ يتزوج بأربع، وينكح من الإماءِ ما شاء، ولا تزيد المرأة على رجل، ولها من القسم الرُّبع، وحاشا حكمته أنْ يضيق على الأحوجِ. فهذا فيه تلميح لما ذكرنا والله تعالى أعلم (2).
(1)"الفروع"(8/ 249).
(2)
وذكر ابن عبد البر عن أبي هريرة رضي الله عنه وبعضهم يرفعه: "فضلت المرأة على الرجل بتسعة وتسعين جزءًا من اللذة، أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء". أخرجه البيهقي في "الشعب"(7773)، وقوى ابن القيم في "أعلام الموقعين" كون الرجل أشد شهوة من المرأة، وأن حرارته أقوى من حرارة المرأة، وأمعن في ذلك. إلخ.